الحدث
اتهم رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، مصر والسودان وأطرافًا أخرى بدعم الجماعات المسلحة المناوئة لأديس أبابا، ومنها "جبهة تحرير شعب تيغراي". وقال في تصريحات للمنصة الإعلامية للجيش الإثيوبي إن هذا الدعم يمر عبر إريتريا، وإن الجبهة وإريتريا لا تشكلان تهديدًا مؤثرًا من دون مساندة خارجية.
في المقابل، رفض المتحدث باسم الجيش السوداني، العميد عاصم عوض عبد الوهاب، اتهامات أديس أبابا، متهمًا إثيوبيا بإيواء قيادات من قوات "الدعم السريع"، وبالسماح بتدريبها وتسليحها وإطلاق مسيّراتها من أراضيها باتجاه إقليم النيل الأزرق. من جهتها، اكتفت الخارجية المصرية بتأكيد احترام القاهرة لسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
الرأي
يأتي تبادل الاتهامات بعد أسابيع من تصاعد القتال على الشريط الحدودي في ولاية "النيل الأزرق" السودانية، حيث أعلنت محافظة "الكرمك" أن هجومًا على منطقة "الكيلي" قد انطلق من الأراضي الإثيوبية، في حين تعرضت منطقة "الدمازين" لضربات بالمسيّرات، وتبادل الطرفان الادعاءات حول جبل كدم. وفي الجهة الأخرى من الحدود، تتسع المواجهات في "تيغراي" و"أمهرة" و"عفر" في إثويبيا. كما أعقبت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، للعاصمة الإريتيرية أسمرا مرتين خلال أقل من شهرين، في تقارب بين الخرطوم وأسمرا تقرؤه أديس أبابا بمثابة "تهديد مباشر".
ولعل دوافع الطرفين متعاكسة لكنها تلتقي في النتيجة، ففيما تحاول "أديس أبابا" نقل أزماتها الداخلية إلى الخارج، وقطع الطريق مسبقًا على محور مصري - إريتري - سوداني يجمعه الخلاف حول سد النهضة، تحاول الخرطوم بالمقابل تدويل خطوط إمداد الدعم السريع، وتقديم إثيوبيا كممر للسلاح والمسيّرات بالتوازي مع النقاش في مجلس الأمن حول توسيع حظر السلاح إلى السودان، لا سيما في ظل تعثر الجيش في ولاية "النيل الأزرق" في وقت يتقدم فيه في ولاية "كردفان".
وعليه، فإن ما تعكسه هذه الاتهامات بانتقالها من القنوات غير المُعلنة والمصادر المحلية إلى مستوى رئاسة الأركان، وبصيغة علنية لدى الجانبين، هو أن كل طرف بات يتعامل مع حرب الآخر الداخلية على أنها امتداد لأمنه الوطني، وهكذا تتحول جبهة "النيل الأزرق" في السودان من ملف حدودي هامشي إلى نقطة التقاء بين حربين، تديرهما جماعات محلية تتلقى السند من عاصمتين متخاصمتين.
الأقرب أن تبقى المواجهة في حدود الحرب الكلامية وتكثيف الدعم غير المباشر حول محور "الكرمك –قيسان" في السودان، فالصدام المباشر بين إثيوبيا والسودان يبدو بعيدًا لأن الجيشين منهكان على جبهات داخلية واسعة، غير أن هذا التقدير قد يتغير إذا شنت قوة عابرة للحدود هجومًا كبيرًا يوقع خسائر في صفوف أحد الجيشين، أو إذا انخرطت إريتريا عسكريًا إلى جانب الخرطوم. ويظل تحرك الاتحاد الأفريقي و"إيغاد" لاحتواء التوتر مؤشرًا على ما إذا كانت الحدود ستُضبط، أو ستبقى مفتوحة أمام حرب بالوكالة.