الحدث
أُعلن رسميًا في احتفالية 21 سبتمبر اكتمال عملية توحيد قوات "البيشمركة" الكردية في شمال العراق التي كانت وزارة البيشمركة قد أعلنت إنجازها في 10 سبتمبر، المنقسمة إلى قوتين منذ أكثر من 3 عقود. وشارك في الاحتفالية عدد من المسؤولين الأكراد، إلى جانب ممثلين عن "التحالف الدولي" والبعثات الدبلوماسية، بالإضافة إلى مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري.
الرأي
يعود الانقسام العسكري المؤسسي إلى الحرب الأهلية الكردية بين الحزبين في 1994–1998، ثم تكرس لاحقًا في وحدتين: القوة 70 (الخضراء) التابعة للاتحاد الوطني، بزعامة جلال طالباني، وتتمركز في محافظة السليمانية ومنطقة حلبجة، والقوة 80 (الصفراء) التابعة للديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، وتتمركز في مناطق نفوذها بمحافظتي أربيل ودهوك.
وبدأ مسار الاندماج بين القوتين منذ سنوات بدعم وإلحاح من قوات التحالف الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا. لكن مسار الاندماج كان بطيئًا، الأمر الذي دفع تلك الدول أن تشترط، لإبقاء معوناتها العسكرية واللوجستية للقوات الكردية، توحيد قواتها. كما لعبت الضغوط الأمريكية دوراً حاسماً لتوحيد البيشمركة، حيث وقعت واشنطن مع وزارة البيشمركة مذكرة دعم وإصلاح عام 2016، وجددتها في 2022، والتي كان من أهم بنودها "إنشاء قوة موحدة وغير حزبية تحت قيادة وزارة شؤون البيشمركة".
وتكتسب الخطوة أهميتها من أن الانقسام الحزبي لا يقتصر تاريخيًا على البيشمركة، بل يمتد بدرجات متفاوتة إلى أجهزة الأمن والاستخبارات ومكافحة الإرهاب. ومن ثم، فإن نجاح دمج البيشمركة قد يمثل خطوة أولى نحو بناء قطاع أمني أكثر توحيدًا، لكنه لا يعني حتى الآن انتهاء الازدواجية الحزبية داخل بقية الأجهزة الأمنية. أما بالنسبة لبغداد، فيحمل التوحيد أثرًا مزدوجًا، فمن جهة يمنح الإقليم قوة أكثر تماسكًا وقدرة على التفاوض بشأن التمويل والتسليح والمناطق المتنازع عليها؛ ومن جهة أخرى، يقلص ازدواجية القرار الحزبي ويجعل التنسيق العسكري مع الحكومة الاتحادية أكثر مؤسسية ووضوحًا.
ويأتي هذا الإعلان في لحظة محسوبة جداً، حيث إن مذكرة الإصلاح الأميركية–الكردية تنتهي في نهاية سبتمبر، والانسحاب الكامل لقوات التحالف من العراق أيضًا مقررًا بنفس التاريخ. لذلك فإن الأكراد وواشنطن كانوا حريصين على إتمام هذا التوحيد قبل هذين التاريخين، للأسباب التالية:
1. عدم ترك فراغ مؤسسي لدى أحد أهم شركاء واشنطن الأمنيين.
2. أن يكون لدى واشنطن في الإقليم شريكاً عسكرياً، تتعامل معه كمؤسسة موحدة وليس عبر قناتين حزبيتين.
3. وفيما يخص أربيل، فإن إنجاز الإصلاح وتوحيد البيشمركة، قبل انتهاء المذكرة، يقوي حجتها في طلب استمرار الدعم والتدريب والتسليح الأميركي والغربي بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف.
إقليميًا، قد يقلص التوحيد تدريجيًا قدرة القوى الخارجية على بناء علاقات أمنية مباشرة مع التشكيلات الحزبية المستقلة، وهو ما قد يمس بعض أدوات النفوذ الإيراني التقليدية داخل بيئة الاتحاد الوطني، كما يمنح تركيا شريكًا مؤسسيًا أوضح في ملفات الحدود وحزب العمال. لكن أثر الخطوة على نفوذ طهران وأنقرة سيظل محدودًا ما دامت شبكات العلاقات السياسية والأمنية الحزبية الأوسع قائمة.
وعليه، يمثل الإعلان نهايةً مؤسسية للانقسام الرسمي بين وحدتي 70 و80، لكنه لا يمثل بعدُ نهاية الحزبية داخل القطاع الأمني الكردي؛ وسيكون الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت وحدة الهيكل ستتحول إلى وحدة فعلية في القيادة والولاء والتمويل والقرار العملياتي.