الحدث:
شنّ الجيش السوداني والقوات المساندة له، مطلع هذا الشهر هجومًا واسع النطاق لاستعادة السيطرة على مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، في مواجهة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال المتحالفة معها، وذلك بعد أسابيع من التقدم الميداني المتدرج الذي شمل السيطرة على مناطق خور البركة وسركم ومقجة والزريبة على مشارف المدينة، ضمن عمليات هدفت إلى قطع خطوط إمداد الدعم السريع وحلفائها القادمة من المناطق الحدودية، حيث تكتسب المدينة أهميتها من كونها آخر معاقل قوات الدعم السريع في إقليم النيل الأزرق منذ سيطرتها عليها في مارس الماضي. وفي الثالث من يوليو، أعلن قائد فيلق البراء بن مالك، المصباح أبوزيد طلحة، استعادة السيطرة الكاملة على المدينة عقب مواجهات مكثفة.
الرأي:
يأتي هذا التطور في سياق مسار عسكري تصاعدي انتهجه الجيش السوداني منذ مطلع العام، قوامه استعادة الأطراف الحدودية وتضييق الخناق على جيوب الدعم السريع خارج معقلها الرئيس في دارفور. فمعركة الكرمك لم تكن حدثًا معزولًا، بل تتويجًا لعمليات ممنهجة استهدفت أولًا تأمين محيط الدمازين والمراكز العملياتية في سالي ودندرو، ثم الزحف جنوبًا نحو الشريط الحدودي، وهو ما يشير إلى تخطيط عملياتي يقوم على العزل التدريجي قبل الحسم. ويعكس هذا التطور تحولًا تكتيكياً في ميزان القوى شرقي السودان لصالح الجيش، ومن المرجح أن يُغلق ملف النيل الأزرق عسكريًا في الأجل القريب، مع بقاء احتمال هجمات ارتدادية محدودة، وانتقال ثقل المواجهة الرئيسة إلى كردفان ودارفور بوصفهما ساحتي الحسم المقبلتين.
أما الدلالة الأخرى فتتصل بالبعد الإقليمي؛ إذ إن الكرمك متاخمة للحدود الإثيوبية، وتتهم الخرطوم أديس أبابا بتوفير دعم لوجستي لتحالف الحركة الشعبية والدعم السريع في الإقليم. وعليه، فإن استعادة المدينة تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة إلى إعادة تموضع الدولة السودانية على شريطها الحدودي الشرقي، بما يقلّص هوامش المناورة أمام أي أطراف خارجية، ويعيد ضبط توازنات العلاقة المتوترة أصلًا مع إثيوبيا، من دون أن يُستبعد أن يشكّل ذلك ورقة ضغط تفاوضية في ملفات عالقة أخرى.
على الصعيد الداخلي، يعزز هذا الإنجاز سردية الجيش القائمة على "استعادة الدولة" التي يراكمها منذ استرداد الخرطوم. غير أن التحدي الفعلي سينتقل من الحسم العسكري إلى التثبيت الأمني والإداري، من خلال عودة النازحين، واحتواء الأوضاع الإنسانية المتدهورة مع اقتراب موسم الأمطار وتفشي الأوبئة، ومنع تحول المناطق الحدودية الوعرة إلى ملاذ لعمليات تسلل واستنزاف متقطعة