الحدث
عرض رئيس الحكومة "الإسرائيلية"، بنيامين نتنياهو، مساء الأحد 18 أكتوبر 2026، في مؤتمر صحفي، وثيقة من ثلاث صفحات بعنوان "العقيدة الأمنية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو"، أُعدّت بمساعدة مجلس الأمن القومي، تصنف البرنامج النووي الإيراني في صدارة التهديدات، تليه الصواريخ الدقيقة والمسيّرات والهجمات السيبرانية و"الإرهاب الداخلي"، وتنص على استعداد "إسرائيل" للتحرك عسكريًا ضد البرنامج النووي الإيراني حتى دون دعم أمريكي أو تنسيق مسبق.
وتتضمن الوثيقة عشرة مبادئ، أبرزها تقديم الضربات الاستباقية على الاحتواء، والإنذار الاستخباري، وإقامة مناطق عازلة على الحدود عند الحاجة دون تحديد مواقعها ومنظومات دفاع متعددة الطبقات، وتقليص الاعتماد على مصادر التسليح الخارجية وتوسيع الصناعات العسكرية، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والفضاء، إلى جانب تعزيز الاستيطان فيما تسميه "أرض إسرائيل".
في المقابل، وصف رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، الوثيقة بأنها "صفحتان فارغتان مليئتان بالشعارات"، وتعهد بإقرار استراتيجية رسمية للأمن القومي خلال 150 يومًا من تشكيل حكومته، فيما وصفها زعيم المعارضة، يائير لابيد، بأنها سطحية، مذكّراً بإعفاء "الحريديم" من الخدمة ورفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر.
الرأي
تشكل غالبية بنود هذه العقيدة الأمنية الأمر الواقع الذي تنفذه حكومة "نتنياهو" بالفعل منذ السابع من أكتوبر، أي أنها لا تمثل توجهات أمنية جديدة، بل تؤطر السياسات والأولويات الأمنية المطبقة بالفعل في وثيقة رسمية للمرة الأولى. وهو ما عبر عنه مؤخرًا الرئيس التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي، تامير هايمان، من أن "إسرائيل" تعمل منذ 7 أكتوبر وفق مفهوم جديد غير مكتوب يجعل الحرب حالة دائمة، ويقدّم الهجوم على الدفاع، ويحوّل مناطق الدفاع الأمامية إلى جزء بنيوي منه. فعلى سبيل المثال فمبدأ المناطق العازلة بالوثيقة يمنح غطاءً نظريًا لانتشار قائم فعلاً، من النقاط العسكرية التسع في جنوب سوريا، إلى المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، وصولاً إلى إعلان وزير الأمن، يسرائيل كاتس، أن بقاء الجيش في مخيمات شمال الضفة دائم.
إلى ذلك، يكشف مبدأ الاستقلال التسليحي فجوة واسعة مع الواقع؛ فالمؤسسة الأمنية تقدّر العجز في موازنة 2026 بنحو 40 مليار شيكل، وحذرت الصناعات العسكرية الشهر الماضي من توقف خطوط إنتاج الذخائر، فيما تعتمد "إسرائيل" على صفقة قنابل أمريكية بقيمة 2.8 مليار دولار، واقتطعت الحكومة من موازنات الوزارات والخطة الخمسية للمجتمع العربي لتمويل مشتريات عاجلة، بينها مروحيات "أباتشي" أمريكية. ويكشف أيضاً أن التلويح بالتحرك ضد إيران دون تنسيق مع واشنطن يتعارض مع اعتماد عملياتي متزايد على الدعم الأمريكي، من الذخائر إلى الأسراب المنتشرة في قاعدة "عوفدا".
بالتوازي مع ذكل ذلك، فإن نشر الوثيقة يأتي ضمن حسابات "نتنياهو" قبل تسعة أيام من انتخابات الكنيست، لتتحوّل حروب السنوات الثلاث الماضية إلى إنجاز عقائدي يُعرض على الناخب، وينقل النقاش من المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر إلى عناوين التفوق العسكري. أما المؤسسة العسكرية، فتجد نفسها أمام عقيدة تتطلب انتشارًا دائمًا على جبهات متعددة، في وقت تشترط فيه الأحزاب الحريدية تثبيت الإعفاء من الخدمة في القانون شرطًا لدخول أي حكومة مقبلة، بينما يرى "زامير" أن حجم الجيش هو عمق "إسرائيل" الاستراتيجي.
وبصورة عامة، مازال من المرجّح أن يتحدد مصير هذه الوثيقة بنتيجة الانتخابات؛ فاستمرار "نتنياهو" يعني مواصلة تحويل مبادئها إلى سياسات أمنية فعلية، ولا سيما المناطق العازلة والاستيطان، بينما تعني حكومة يقودها "آيزنكوت" استبدالها باستراتيجية أخرى، لا يُتوقّع أن تختلف جوهريًا عنها خاصة فيما يتعلق بالمبادرة الهجومية والمناطق العازلة وتقديم التهديد النووي الإيراني كأولوية في قائمة التهديدات.