الحدث
أعلن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال حفل بالأكاديمية العسكرية في 17 أكتوبر/ تشرين أول، استعداد مصر للتحرك دفاعًا عن السعودية إذا طلبت ذلك، ودعا مجلس النواب إلى الانعقاد بصورة عاجلة للحصول على التفويض اللازم، مؤكدًا أن المقصود الدفاع لا شن حرب هجومية. وفي اليوم التالي، اجتمع مجلس الدفاع الوطني برئاسة "السيسي" وقرر تقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية لحماية أمنها واستقرارها ومواردها وسلامة أراضيها، إلى جانب تكثيف الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد. كما عقد مجلس النواب جلسة طارئة لمناقشة التفويض المتعلق بالدعم العسكري، لكنه أرجأ التصويت، على أن تستكمل المناقشات لمدة يومين إضافيين.
الرأي
تواجه القاهرة تحديًا أمنيًا حقيقيًا مع توسّع سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن، بما يعنيه ذلك من سعيهم لفرض هيمنة على الملاحة في المضيق، على غرار هيمنة إيران على هرمز، وهو ما سيمثل قيدًا مستمرًا على الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، كما ينذر بنفوذ إيراني محتمل على البحر الأحمر. أي أن التطورات في اليمن لا تقتصر على تصاعد التهديدات على السعودية فحسب، بل تهدد مصالح مصرية مباشرة.
ويكشف تسلسل التحركات أن الدعم العسكري المحتمل لم يظهر بصورة مفاجئة في أكتوبر، بل يأتي بعد أشهر من بناء ترتيبات أمنية مشتركة، كان الملف البحري أساسها، حيث انضمت القاهرة في 30 يوليو إلى تحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية، ويهدف إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
بالإضافة لذلك، فإن تعرض السعودية لهجمات غير مسبوقة واعتماد المملكة المتزايد على حلفاء أمنيين – سواءً تركيا وباكستان أو دول أوروبية – يضع القاهرة إزاء ضرورة إثبات أهميتها كحليفٍ للمملكة، وإلا سينعكس ذلك سلبًا علي مجمل الشراكة الاستراتيجية التي تمثل أهمية لمصر اقتصاديًا وسياسيًا، إذ لا تريد القاهرة أن تصبح طرفًا هامشيًا في ترتيبات أمنية جديدة تجمع السعودية وتركيا وباكستان، خصوصًا إذا تطورت مستقبلًا إلى آلية لتوزيع الأدوار والنفوذ في الخليج والبحر الأحمر.
ولذلك، فإن لمصر مصالح استراتيجية حقيقية في الدفاع عن أمن السعودية، لكنها لا تتطابق بالضرورة مع جميع الخيارات العسكرية المتاحة لتحقيق هذا الهدف. فالانخراط الدفاعي المحدود، إذا انضبط بمهمة محددة وقواعد اشتباك واضحة تقتصر على مساعدة السعودية في صد الهجمات، قد يعزز المصالح المصرية في الخليج والبحر الأحمر، ويحافظ على أسس شراكة استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية للقاهرة. أما الانتقال إلى عمليات هجومية أو التورط في حرب استنزاف داخل اليمن، فسيحمل مخاطر كبيرة قد تتجاوز المكاسب المتوقعة، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد المصري واحتقان البيئة المحلية وتعدد التهديدات على حدودها.
وعليه، فإن المسألة لا يمكن اختزالها في مقايضة عسكرية مقابل دعم اقتصادي، وإن كان هذا حاضرًا بلا شك، كما لا يمكن افتراض أن الدفاع عن السعودية يقتضي تلقائيًا المشاركة في الحرب اليمنية، إذ من المرجح أن تواصل القاهرة قنواتها مع الحوثيين وإيران لضمان ألا يُترجم قرارها كانخراط مباشر ضد الحوثيين، وهو موقف مماثل لموقف باكستان التي تقدم دعمًا واسعًا للسعودية، مازال دفاعيًا في مجمله، دون أن تفقد موقعها كوسيط بين إيران والولايات المتحدة.