المصدر: جيوبوليتيكال فيوتشرز
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
لقد تحققت نبوءة الدكتور "كامران بخاري"، الكاتب والمحلل السابق في مؤسسة "جيوبوليتيكال فيوتشرز" والخبير في التنبؤ الاستراتيجي، بظهور نظام جيوسياسي جديد في الشرق الأوسط؛ والتي أشار فيها إلى أن هذا النظام سيُبنى على تحالف بين تركيا والسعودية وباكستان، وذلك عندما أعلنت الدول الثلاث عن تحالف يقوم على مبدأ الأمن الجماعي.
والأمر اللافت هنا هو أن أعضاء التحالف يقعُون على مقربة شديدة من إيران؛ فـباكستان وتركيا تشتركان في حدود معها بينما لا تفصل السعودية عنها سوى مياه الخليج الضيق نسبيًا. وكانت إيران قد هاجمت السعودية بالفعل، أما أنقرة فقد بقيت لحد كبير خارج الصراع رغم استهدافها بصواريخ إيرانية ورغم موقفها العدائي عمومًا تجاه إيران ورغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي "الناتو". وكانت باكستان قد توسطت في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، لهذا بدا أنها تتخذ موقفًا محايدًا.
وينبغي هنا البحث في التأثير الأوسع لهذا النظام الجديد خارج حدود المنطقة؛
أولًا: ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن باكستان تمتلك جيشًا يتمتع بقدرات عالية، فضلًا عن كونها دولة نووية.
ثانيًا: ينبغي أن نضع في الحسبان أن تركيا تمتلك ثاني أكبر قوة عسكرية في "الناتو".
وأخيرًا: يجب أن نضع في الاعتبار أن السعودية تتمتع بعلاقات وثيقة جدًا مع الولايات المتحدة.
فمن جهتها، لا ترغب أي من الدول الثلاث في خوض حرب مع إيران، لكن الأخيرة لا تستطيع أن تكون على يقين من المسار الذي ستتخذه هذه الدول. فوجود هذا التحالف، إلى جانب العداء الإضافي من جانب الولايات المتحدة، يزيد من احتمال رغبة إيران في العثور على مخرج من الأزمة، وهو ما قد يؤدي لإعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف أزمة الطاقة العالمية إن لم يؤدِّ إلى إنهائها.
ويبدو واضحًا أن الولايات المتحدة كانت على علم بتشكّل هذا التحالف، وكانت تأمل في أن يتيح لها إنهاء دورها في الصراع، ومن المؤكد أن ذلك يصب في مصلحتها. لكن تداعيات الأمر تتجاوز الولايات المتحدة بكثير؛ فباكستان تربطها منذ فترة طويلة علاقات عدائية مع الهند التي دخلت بدورها في مواجهات وخلافات مع الصين، وكانت تعمل على إنشاء تحالف مع الدول المجاورة للصين، بما في ذلك إندونيسيا وفيتنام واليابان وأستراليا ونيوزيلندا، وقد أدى اتجاه الولايات المتحدة أيضًا نحو نوع من التفاهم مع الصين لتسريع هذه العملية.
ونظرًا لأن باكستان تتمتع بعلاقات ممتازة مع الصين، وفي نفس الوقت ليس لدى السعودية وتركيا مشكلات كبيرة معها، فمن الواضح أن التحالف الجديد لن يكون معاديًا للصين. وكل هذا قد يضع مزيدًا من الضغوط على الهند ومن المرجح أن يجعل سعيها لإقامة تحالف في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أكثر إلحاحًا، ما لم تتمكن باكستان والهند من التوصل لتسوية بينهما، ومن الصعب توقّع أن ينشأ مستوى من الثقة بين البلدين. كما إن عضوية تركيا في "الناتو" تزيد الأمور تعقيدًا؛ فأنقرة لديها الالتزام نفسه تجاه أعضاء الحلف الآخرين والذي تتحمله تجاه هذا التحالف الجديد؛ الهجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع.
وهذا يثير تساؤلات مهمة بشأن روسيا التي تربطها علاقة طويلة ومعقدة مع تركيا، لكن التوترات الحالية بين البلدين تتمحور حول البحر الأسود الذي يمثل أهمية حيوية لتجارة تركيا مع أوروبا، والذي أصبح عمليًا ساحة للمعركة في الحرب الأوكرانية. وعلى مدى السنوات الست الماضية برزت تركيا أيضًا لاعبًا رئيسيًا جنوب القوقاز، وهي منطقة كانت حتى عام 2020 تقع ضمن دائرة النفوذ الروسي، ومنذ ذلك الحين تراجعت العلاقات بين الكرملين وكل من أرمينيا وأذربيجان. وتستهدف العمليات العسكرية الروسية في البحر الأسود منع أوكرانيا من الوصول إليه، وفي الوقت الراهن أصبحت هذه العمليات تهدد حركة الملاحة بالنسبة لأي سفن تبحر في تلك المياه.
وليس من الممكن بناء نموذج متكامل ومتسق تمامًا لما يعنيه التحالف الثلاثي في الشرق الأوسط بالنسبة للجميع، لكن من الواضح أن هذا التحالف يؤثر تأثيرًا كبيرًا في العديد من العلاقات الجيوسياسية الأخرى. ومن الواضح أيضًا أن التحالف يبدو مفيدًا للولايات المتحدة بدرجة كبيرة، لأنه يفرض ضغوطًا على إيران، ومن المرجح أن يكون مفيدًا للصين أيضًا نظرًا لعضوية باكستان في التحالف وعلاقتها الوثيقة معها.
وقد يكون التأثير الأكبر الجدير بالاهتمام للتحالف على العلاقات الأمريكية-الصينية؛ فأزمة نقص النفط الناجمة عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ألحقت ضررًا كبيرًا بالصين. ومن الواضح أن واشنطن تريد إنهاء الحرب لأسبابها الخاصة، وهذا يزيد من احتمال اضطرار إيران للتوصل إلى نوع من التفاهم مع الولايات المتحدة، الأمر الذي سيخفف مشكلات الصين المتعلقة بالنفط إلى جانب تخفيف مشكلات بقية دول العالم.