المصدر: أتلانتك كاونسل
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
من نافلة القول أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تتجاوز حدود الدولتين بكثير؛ فاتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان مؤخرًا سيكون له تداعيات واسعة النطاق على دول أخرى في الشرق الأوسط وخارجه كذلك. وفي هذه السلسلة يستعرض خبراء المجلس الأطلسي انعكاسات الاتفاق على عدد من الدول المعنية في المنطقة؛ ففي الجزء الثالث يتناول "نيكولاس بلانفورد"، وهو زميل أول غير مقيم في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، تداعيات الاتفاق على الساحة اللبنانية:
اتسمت ردود الفعل في لبنان إزاء التوصل لمذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بحالة من الارتباك وعدم اليقين؛ إذ تشير التسريبات المتعلقة بالنقاط الـ14 التي تتضمنها المذكرة إلى أن الحرب في لبنان ستنتهي، لكنها لا تتضمن أي إشارة صريحة إلى انسحاب القوات "الإسرائيلية" من الأراضي اللبنانية. وقد صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مؤخرًا بأن طهران تعتقد أن الاتفاق سيشمل انسحاب القوات "الإسرائيلية" من المناطق التي تحتلها حاليًا، بينما أكد وزير الدفاع "الإسرائيلي"، يسرائيل كاتس، أن القوات "الإسرائيلية" ستواصل وجودها داخل الأراضي اللبنانية.
بدوره، أوقف حزب الله مؤقتًا هجماته على القوات "الإسرائيلية"، بينما حاول عشرات الآلاف من النازحين في جنوب لبنان العودة إلى منازلهم، لكن القوات "الإسرائيلية" واصلت القصف في هذه المناطق واستهدفت عددًا من الأشخاص الذين اقتربوا من خطوط انتشارها، كما واصلت تسيير طائرات مسيّرة فوق بيروت، ومنذ ذلك الحين نفذ الحزب عدة هجمات لكنه، في دلالة لافتة، لم يعلن عنها رسميًا في بياناته اليومية.
ويبدو أن الحزب سيخرج من هذا الصراع أكثر ثقة بنفسه وأكثر ارتباطًا بإيران وخضوعًا لنفوذها، مقارنةً بأي مرحلة منذ تأسيسه قبل أكثر من أربعين عامًا. كما أصبح الحزب أكثر تمسكًا بالاحتفاظ بسلاحه بعدما استعادت رواية "المقاومة" التي يتبناها زخمها نتيجة احتلال "إسرائيل" مجددًا لأجزاء من جنوب لبنان. أما الحكومة اللبنانية، التي وجدت نفسها في موقف محرج بعدما تفاوضت إيران مع الولايات المتحدة نيابة عنها، فتواجه اليوم تحديًا أكبر في مساعيها لنزع سلاح الحزب لكنها تبدو مصممة على مواصلة المحادثات المباشرة مع "إسرائيل" برعاية واشنطن. من جهته، يعارض الحزب بشدة تلك المفاوضات، بل قد يسعى لإسقاط الحكومة واستبدالها بأخرى تتخلى عن مشروع نزع سلاحه.
بالمقابل، يواجه رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، انتقادات داخلية واسعة بسبب مذكرة التفاهم، وسيكون عليه خلال الأشهر الأربعة التي تسبق الانتخابات أن يقرر إذا كان سيتجاهل "ترامب" ويصعّد المواجهة في لبنان بكل ما قد يترتب على ذلك، أم سيلتزم بالمصالح الأمريكية التي تجسدها مذكرة التفاهم ويتحمل ما قد ينجم عن ذلك من تداعيات سياسية داخلية.
وخلال 32 عامًا أمضيتها في لبنان لا أعتقد أنني شهدت وضعًا أكثر تعقيدًا وفوضى أو أكثر غموضًا من حيث النتائج المحتملة كالوضع الراهن.