الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لدول الخليج على حساب إيران بالنسبة للصين

الساعة : 14:18
30 أبريل 2026
الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لدول الخليج على حساب إيران بالنسبة للصين

المصدر: رويال يونايتد سيرڤيس إنستيتيوت (RUSI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

لطالما جمع دعم الصين لطهران بين مصالح براغماتية، مثل النفط منخفض التكلفة وقنوات الالتفاف على العقوبات وأوراق الضغط على واشنطن، وفوائد استراتيجية حقيقية؛ حيث يمر من مضيق هرمز نحو 40% من واردات الصين النفطية المنقولة بحرًا. وتمنح إيران، المعادية لواشنطن والقادرة على تهديد هذا الممر، بكين نفوذًا غير مباشر على القوة الأمريكية دون تحمل تكلفة المواجهة المباشرة.

لكن الصراع الحالي أضعف هذين البعدين في آن واحد؛ فقد أضرت الضربات الإيرانية ضد البنية التحتية الخليجية بالمصالح الاقتصادية الصينية مباشرة، بينما تقلصت قيمة إيران كعامل تشتيت استراتيجي قادر على استنزاف الموارد الأمريكية في الشرق الأوسط، رغم بقاء منطق العلاقة القائم على النفط قائمًا. كما أدى الصراع إلى ارتفاع أسعار خام برنت فوق 100 دولار للبرميل، ما أجبر المصافي الصينية على تقليص الإنتاج والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، فيما شكّل انهيار اتفاق التقارب السعودي-الإيراني الذي توسطت فيه الصين عام 2023 ضربة دبلوماسية كبيرة لبكين، ولم تعد إيران الضعيفة قادرة على أداء دور "المغناطيس المشتت" للانتباه الأمريكي.

كما إن اتفاق التعاون لمدة 25 عامًا بين الصين وإيران، الذي كان يفترض أن يشمل استثمارات بقيمة 400 مليار دولار، لم يتحقق فعليًا؛ فلم يتجاوز إجمالي الاستثمارات الصينية في إيران خلال 15 عامًا نحو 27 مليار دولار. بالمقابل، بلغت التجارة بين الصين ودول الخليج 257 مليار دولار في 2024، ما يجعل مصالح بكين في استقرار الخليج أكبر بكثير من مصالحها في الطموح الإيراني، وهذا يترك إيران معزولة نسبيًا وإن لم تُهجر بالكامل.

في المقابل، اتبعت دول الخليج نهجًا يقوم على جعل نفسها عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه في الاقتصاد العالمي، والذي يمكن وصفه بـ"الضرورة الاستراتيجية"، أي النفوذ الناتج عن التحكم في موارد أو نقاط اختناق حيوية، والميزة البنيوية التي تنشأ من السيطرة على عُقد لا يمكن تجاوزها.

ومن المتوقع أن ينمو سوق مراكز البيانات في الخليج من 3.5 مليار دولار في 2024 إلى 9.5 مليار دولار بحلول 2030. كما إن شركات عالمية مثل Amazon وMicrosoft وGoogle وOracle وAlibaba وHuawei أنشأت مراكز سحابية في المنطقة، وهذا يجعل عددًا كبيرًا من الدول والشركات مرتبطة مباشرة باستقرار الخليج. لكن هذا الترابط بالمقابل يرفع كلفة أي اضطراب على دول الخليج نفسها، ما يضعها تحت ضغط لإثبات أن استقرارها حقيقي وليس هشًا.

وعند انتهاء الحرب ستكون إيران قد استُنزفت اقتصاديًا وعسكريًا، بينما ستتعرض دول الخليج لأضرار أقل نسبيًا، وسيؤدي ذلك لتوسيع فجوة الابتكار والتنمية التي كانت موجودة بالفعل. وفي جميع السيناريوهات المحتملة ستواجه إيران وضعًا أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب، مع هجرة متزايدة للعقول وتراجع الدعم الصيني وضعف القدرة على الحفاظ على شبكات الوكلاء. حتى في حال بقاء النظام فإن الاقتصاد والبنية الصناعية سيتعرضان لتدهور كبير، مع استمرار القيود على الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.

بالمقابل، يسير الخليج في اتجاه معاكس؛ حيث يشكل التصنيع القائم على الذكاء الاصطناعي المجال الذي ستتسع فيه الفجوة بسرعة أكبر، غير أن هذه الأفضلية تعتمد على الحفاظ على ثقة المستثمرين واستمرار تدفق الكفاءات الأجنبية. وتشير الضربات الإيرانية لمراكز البيانات الخليجية إلى إدراك طهران لأهمية هذه البنية التحتية. لكن هذه الهجمات تواجه حدودًا بنيوية؛ فنقل البيانات لمواقع خارجية يعزز المرونة كما إن هذه التهديدات تدفع نحو مزيد من التنويع والاستثمار في البنية التحتية. وفي حال تمكنت دول الخليج من امتصاص الصدمة العسكرية وتعزيز قدرتها على إدارة المخاطر، فإن النتيجة الأهم لهذا الصراع ستكون ترسيخ مكانتها كمنطقة "لا غنى عنها" في الاقتصاد العالمي.