قراءة في مستقبل الملاحة والعبور عبر مضيق هرمز في ظل الصراع الأمريكي-الإيراني

الساعة : 11:58
29 أبريل 2026
قراءة في مستقبل الملاحة والعبور عبر مضيق هرمز في ظل الصراع الأمريكي-الإيراني

المصدر: فيتش سوليوشنز

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

اتجاهات العبور في مضيق هرمز منذ 28 شباط/ فبراير 2026

قبل اندلاع الصراع كانت حركة العبور عبر المضيق تشهد مسارًا تصاعديًا واضحًا، مدعومًا بتدفقات كثيفة لناقلات النفط وحجم مستقر من سفن الحاويات والبضائع السائبة. لكن مع اندلاع الأعمال القتالية شهد الممر المائي إغلاقًا مفاجئًا وشبه كامل؛ ففي الأسبوع الأول من آذار/ مارس تراجعت حركة ناقلات النفط، التي تعتبر الفئة الأكبر عادة، إلى ما يقارب الصفر، وتوقفت بشكل شبه كامل حركة سفن الحاويات وسفن الدحرجة (Roll-on/Roll-off). وخلال معظم شهر آذار/ مارس ظل المضيق مغلقًا عمليًا؛ وقد أدى إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في أوائل نيسان/ أبريل إلى تعافٍ حذر ومحدود؛ حيث شهدت حركة ناقلات النفط ارتفاعًا يوميًا متقطعًا، وارتفع المتوسط إلى مستوى 68 خلال أوائل إلى منتصف الشهر ذاته.

ومع ذلك، يبقى هذا التحسن محدودًا للغاية؛ فما زالت حركة الحاويات شبه معدومة ونشاط سفن الدحرجة ضئيلًا، في حين يظل إجمالي حجم العبور أقل بنحو 94% مقارنةً بالعام السابق. ويشير ذلك إلى أن التصورات المرتفعة للمخاطر وقيود التأمين وحالة الضبابية على نطاق أوسع، ما زالت تردع الغالبية العظمى من سفن الشحن التجاري عن المرور عبر المضيق رغم وقف إطلاق النار.

الحصار البحري الأمريكي.. تطبيق جزئي

يبدو أن الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية يزيد من تعقيد الاضطرابات في المضيق بدلًا من معالجتها، كما يثبت صعوبة تطبيقه بشكل شامل؛ فقد سارعت القيادة المركزية الأمريكية لتضييق نطاق الحصار الذي صرح به "ترامب" باستهداف "أي وجميع السفن"، ليقتصر على السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها فقط، في اعتراف ضمني بالقيود التشغيلية.

حتى ضمن هذا النطاق المحدود ظل تطبيق الحصار غير محكم؛ حيث تمكّنت بعض السفن من عبور المضيق بعد فرض الحصار، والأهم من ذلك أن الحصار قد يعزز موقع إيران الاستراتيجي بدلًا من تقويضه؛ فطهران تواصل تصوير المضيق كأداة طويلة الأمد لتحقيق إيرادات إعادة الإعمار بعد الحرب وفرض رسوم عبور، بينما يمضي البرلمان الإيراني قدمًا في تشريع يهدف لإرساء ترتيبات أمنية دائمة في هرمز تتضمن فرض رسوم.

وبالتالي، فإن الحصار يضيف طبقة ثانية من القيود فوق الإغلاق الإيراني القائم، ما يزيد من ردع المشغلين التجاريين القلائل الذين ما زالوا مستعدين للعبور دون أن يجبر إيران على التخلي عن دورها الفعلي كحارس للممر المائي.

سيناريوهات التعافي المحتملة

بناءً على هذه المعطيات، من المتوقع أن تخضع عودة حركة الشحن إلى طبيعتها الكاملة لثلاثة سيناريوهات للصراع وثلاث سرعات للتعافي، نوضحها فيما يلي:

السيناريو الأول، انتهاء التمديد: بمعنى أن ينتهي الصراع بنهاية نيسان/ أبريل 2026، لكن الصدمة التشغيلية التي تطال الطواقم وشركات التأمين والجداول الزمنية ستؤخر التعافي الكامل لما بعد وقف إطلاق النار.

السيناريو الثاني، وقف إطلاق نار ممتد: أي أن يؤدي وقف إطلاق النار طويل الأمد حتى منتصف أيار/ مايو لبقاء المضيق مفتوحًا من الناحية العملية لكنه يظل معطلًا تجاريًا؛ حيث يستمر ارتفاع المخاطر وحذر شركات التأمين وإعادة التموضع الدفاعي نحو بدائل في حوض الأطلسي (خاصة للهيدروكربونات)، ما يحد من توفر السفن ويؤخر العودة للوضع الطبيعي حتى دون تصعيد إضافي.

السيناريو الثالث، تمديد نحو التصعيد: وذلك بأن تؤدي التعديلات التجارية الهيكلية بعيدًا عن المضيق لجعل التعافي مرهونًا بمصداقية تهدئة طويلة الأمد وليس بمجرد إعادة فتح الممر ماديًا.

تآكل حرية الملاحة البحرية

إن التآكل المتزامن لكل من الركائز القانونية وآليات التنفيذ لحرية الملاحة سيُخضِع الشحن العالمي على الأرجح لفترة طويلة من التدخلات السيادية المتزايدة، وحقوق العبور المتنازع عليها حتى بعد انحسار الأعمال العدائية الحالية. فمبدأ أن محيطات العالم مفتوحة أمام التجارة السلمية ليس حالة طبيعية أو حتمية، بل هو نتيجة نضال طويل عبر قرون من الجدل القانوني والصراعات البحرية والتسويات الدبلوماسية. وما بدأ كتحدٍ نظري لاحتكارات الحقبة الاستعمارية لم يصبح واقعًا قابلًا للتطبيق إلا لأن القوى البحرية المهيمنة المتعاقبة اختارت دعمه، أولًا بدافع المصلحة الاستراتيجية ثم لاحقًا كمعيار دولي مشترك.

وهنا تكمن الفكرة الجوهرية في أن حرية الملاحة استندت دائمًا إلى ركيزتين؛ إطار قانوني موثوق يحدد القواعد وقوة تنفيذية راغبة تمتلك القدرة البحرية لفرضها. وعندما لم تعد المملكة المتحدة قادرة على أداء هذا الدور بعد الحرب العالمية الثانية، ورثته الولايات المتحدة فعليًا لكنها فعلت ذلك دون التزام رسمي كامل بالبنية القانونية التي يقوم عليها النظام. وقد ظلت هذه الهشاشة البنيوية كامنة لعقود، أما الوضع الراهن للصراع الأمريكي-الإيراني، الذي اتخذت فيه كل من القوة البحرية المهيمنة ودولة محورية مجاورة للمضيق إجراءات تتعارض مع الأعراف القانونية المستقرة، فيشير إلى أن هاتين الركيزتين تضعفان في الوقت ذاته.

بناءً عليه، فإن قطاع الشحن العالمي قد يواجه مجددًا بيئة تتسم بتدخلات سيادية ومياه متنازع عليها ومخاطر غير متوقعة، وهي الظروف ذاتها التي صُمم النظام البحري العالمي بعد الحرب العالمية الثانية للقضاء عليها.