إيران وأوكرانيا ساحتي اختبار للقوة الفضائية

الساعة : 11:23
11 أبريل 2026
إيران وأوكرانيا ساحتي اختبار للقوة الفضائية

المصدر: جورج فريدمان - جيوﭘوليتكال فيوتشرز

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

في كتابي "مستقبل الحرب" الذي نُشر عام 1996، كتبتُ أن مستقبل الحروب سيعتمد على الطائرات غير المأهولة والدقة الفائقة في الاستهداف، التي توفرها الاستخبارات القائمة على الأقمار الصناعية. وقد أصبح ذلك المستقبل حاضرًا بوضوح؛ فقد أظهرته حرب أوكرانيا وجاءت الحرب في إيران لتؤكده. وهو تأكيد على أن حروب القرن العشرين، التي قامت على القتال البري والطائرات المأهولة والسفن السطحية، غدت في طريقها إلى الزوال، تمامًا كما أصبح سلاح الفرسان متقادم قبل قرن من الزمن، ونحن لا نزال في خضم هذه المرحلة الانتقالية، لذا فإن الماضي لم يختفِ تمامًا بعد لكن المستقبل قد وصل بالفعل.

لقد ظهرت الطائرات المسيّرة كسلاح فعّال قبل حرب أوكرانيا؛ فكانت الولايات المتحدة رائدة في استخدامها كأداة عسكرية في الحروب التي أعقبت أحداث الـ11 من سبتمبر. لكن أوكرانيا ارتقت باستخدامها لمستوى جديد كليًا؛ فعندما غزتها روسيا بقوات مشاة كثيفة ومركبات قتالية مدرعة ومدفعية، كان من المفترض أن تكتسح قواتها بسهولة نظرًا لما تمتلكه من جنود مدربين وشجعان والتزام قتالي عالٍ. وكان من المرجح أن يتحقق ذلك لو أن هذا هو جوهر الحرب كما كان في السابق، وكان ينبغي على موسكو أن تدرك ذلك، خصوصًا وأنها تمتلك عددًا كبيرًا من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة.

وعندما كتبتُ "مستقبل الحرب"، افترضتُ أن الطائرات غير المأهولة ستتجه ذاتيًا نحو الأهداف وتطلق حمولتها المتفجرة ثم تعود إلى قواعدها، لكنني لم أتوقع أن تتحول هذه الطائرات إلى مزيج من الطائرة والقنبلة في آنٍ واحد، كما هو الحال في أوكرانيا. فعندما اندلع الغزو كان لدى أوكرانيا جيش شجاع مدرب عالي الدافعية، وإن كان أصغر بكثير من الجيش الروسي، لكنه تمكن من الصمود وعرقلة التقدم الروسي بفضل معلومات استخباراتية دقيقة حول انتشار القوات الروسية وتحركاتها، وفّرتها أقمار صناعية أمريكية وأوروبية. وقد سمحت هذه المعلومات لأوكرانيا بحشد قواتها ووقف التقدم الروسي أو على الأقل إبطاؤه بدقة أكبر.

ومع استمرار الحرب زاد الاعتماد على الاستخبارات لتزويد الطائرات المسيّرة بمعلومات الاستهداف، وتحوّلت هذه الطائرات فعليًا إلى قنابل قادرة على توجيه نفسها نحو الهدف. ولم تدرك موسكو بشكل كامل أن حشود المشاة المدعومة بالمدفعية لا تستطيع هزيمة الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة بدقة. ومنذ ذلك الحين، تطور الجيش الروسي بشكل ملحوظ، لكن النتيجة كانت حربًا مجمّدة إلى حد كبير؛ حيث ينفذ الطرفان ضربات مكثفة بالطائرات المسيّرة على منشآت مختلفة، بينما تخوض وحدات صغيرة جدًا معارك محدودة لتحقيق مكاسب ضئيلة للغاية.

وفي إيران تُدار الحرب الحالية استنادًا إلى الدروس المستفادة من أوكرانيا؛ فلو وقع هذا الصراع في الماضي لكانت قوات مشاة البحرية الأمريكية قد نفذت إنزالًا على جانبي مضيق هرمز، ولأسقطت الفرقة 82 المحمولة جوًا قواتها في المناطق الشمالية، لدفع الحرس الثوري الإيراني بعيدًا عن نطاق المضيق وفتحه أمام الملاحة. لكن مثل هذا الإنزال قد لا ينجح اليوم بالضرورة؛ فالصواريخ والطائرات المسيّرة يمكن أن يصل مداها إلى آلاف الكيلومترات، ومع انتشارها الواسع ستضطر الولايات المتحدة للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الإيرانية لفتح المضيق.

بناءً على ذلك، تمتلك واشنطن خيارين؛ إما شن حرب برية واسعة للسيطرة على أجزاء كبيرة من إيران (أو ربما كامل أراضيها)، أو نشر أعداد هائلة من الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، لضرب قواعد الطائرات المسيّرة الإيرانية استنادًا إلى معلومات استخباراتية دقيقة توفرها الأقمار الصناعية. ومن المهم الإشارة إلى أن انتشار الطائرات المسيّرة لا يُلغي الحاجة إلى الطائرات المأهولة؛ إذ لا تزال الولايات المتحدة و"إسرائيل" بحاجة لتنفيذ ضربات جوية لتدمير طائرات الحرس الثوري الإيراني ومنشآت إنتاجها. وحتى مع ما يبدو من محدودية أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية أو احتمال تعطيلها أو شلّها، فإن العمليات الجوية المأهولة تظل أكثر كلفة من حيث الأرواح والموارد مقارنة بالطائرات المسيّرة الموجهة بدقة.

إن مفتاح هذا النوع من الحروب، كما هو الحال في جميع الحروب، هو الاستخبارات، لكن هذه الاستخبارات يجب أن تكون دقيقة للغاية وفورية تقريبًا، لأن الطائرات المسيّرة (مثل المشاة) يمكن إعادة نشرها بسرعة كبيرة. ويتم توفير هذه المعلومات أساسًا عبر الأقمار الصناعية. وتمتلك الولايات المتحدة و"إسرائيل" أنظمة قادرة على كشف واستهداف قواعد الطائرات المسيّرة الإيرانية حتى وإن كانت متحركة. أما قدرات إيران في مجال الأقمار الصناعية فليست واضحة تمامًا؛ فهي تمتلك برنامجًا فضائيًا لكن لا يمكن الجزم بمستوى جودته. وهناك مزاعم بأن روسيا تزودها ببيانات فضائية ردًا على الدعم الأمريكي لأوكرانيا بمعلومات مماثلة، لكن يبدو أن معظم الضربات الإيرانية تستهدف مواقع ثابتة، خصوصًا القواعد الجوية الأمريكية في المنطقة، وأهدافًا في دول تُعتبر معادية لإيران أو مرتبطة بالولايات المتحدة.

في حرب الطائرات المسيّرة والصواريخ، يصبح الفضاء هو مركز الثقل في القتال؛ فإذا تم تدمير الأقمار الصناعية فإن الاستخبارات اللازمة لخوض حرب متحركة ستختفي. فالطائرات المسيّرة تحتاج لبيانات دقيقة وفورية لا يمكن توفيرها بشكل موثوق إلا عبر الأنظمة الفضائية، خصوصًا في المدار الأرضي المنخفض، حيث تدور أقمار الاستطلاع ضمن منظومات تتيح المراقبة المستمرة. أما أقمار نظام تحديد المواقع "GPS" في المدار المتوسط فهي توفر التوجيه نحو الهدف، كما ترشدنا أنظمة الملاحة في سياراتنا. وبذلك، فإن من يسيطر على الفضاء يسيطر على الأرض، لكن من المهم التذكير بأن القمر الصناعي يصبح عديم الفائدة إذا تعذر عليه نقل البيانات إلى الأرض.

ومن هنا، فإن المعركة على الفضاء لها بعدان محتملان؛ إما تدمير القمر الصناعي نفسه أو تعطيل نقل البيانات منه إلى الأرض. وإذا كانت الطائرات المسيّرة تعتمد على استهداف دقيق في الوقت الحقيقي، فإن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا من موقع مرتفع، أي من الفضاء المداري. وهذه ليست حرب آبائنا (ولا حتى الحرب التي اعتاد عليها كثير منا)؛ فبينما كانت المعارك سابقًا ترتكز على القتال البري، فإن الصراعات في أوكرانيا وإيران تعتمد بشكل كبير على الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية والحرب المتحركة. لذلك، فإن السيطرة على الفضاء، التي تتيح بدورها السيطرة على البحر والبر، تعتبر العامل الحاسم. وتشكل أوكرانيا وإيران ساحتي اختبار للقوة الفضائية، كما كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية ساحتي اختبار للقوة الجوية، وعليه سرعان ما ستحدد القوة الفضائية موازين القوة الجوية والبرية.

ولا يعني ذلك أن المشاة، رغم معاناتهم الدائمة، أصبحوا بلا أهمية، بل يعني فقط أنهم لم يعودوا العامل الحاسم في الحروب، وبالتالي سيتعرضون لخسائر أقل بكثير. بل إن المدنيين قد يعانون بدرجة أقل أيضًا؛ فالقصف المكثف للمدن لتدمير الصناعات المعادية قد يصبح أمرًا متجاوزًا. ورغم أن الخسائر المدنية ستظل قائمة، فلن تكون على نطاق ما شهدناه في الحرب العالمية الثانية.

وقد أكون متسرعًا في الاعتقاد بأن هذه الحرب قد تُحسم دون تدخل بري، لكن يبدو لي أن التهديد الذي تشكله الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة بالأقمار الصناعية للقوات البرية قد بلغ مستوى من النضج، يجعل القوات التقليدية أكثر عرضة للخطر وأقل قدرة على البقاء مقارنةً بالماضي. ومع ذلك، فإن الحروب غالبًا ما تنتهي باحتلال أراضي الطرف المهزوم، ولا تستطيع الصواريخ والطائرات المسيّرة احتلال الدول، لذلك فإذا كان هذا هو الهدف فستظل القوات البرية ضرورية في مرحلة ما، بعد أن يكون العدو قد أُضعف بشكل كبير.