المصدر: فيتش سوليوشنز
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
خلاصة:
· سيظل الأردن شديد التأثر بتطورات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، نظرًا لتعاونه الأمني الوثيق مع واشنطن ووجود أصول عسكرية أمريكية كبيرة على أراضيه، إضافةً لدوره النشط في تنسيق الدفاع الجوي الإقليمي.
· في الوقت الراهن، وبناءً على التقدير بأن الحملة العسكرية ستكون واسعة لكنها قصيرة الأمد (من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع)، يُتوقع أن تقتصر التداعيات الاقتصادية على انخفاض أعداد السياح وتعطل التجارة الإقليمية واضطرابات في إمدادات الغاز وتراجع المعنويات الاقتصادية المحلية. وبناءً على ذلك تنخفض توقعات نمو الاقتصاد الأردني لعام 2026 من 2.9% إلى 2.7%.
· مع ذلك، فإن المخاطر تميل بوضوح نحو الجانب السلبي، في ظل احتمالات ارتفاع أسعار النفط بشكل أكبر واتساع نطاق الصراع إقليميًا، وهو ما قد يؤدي لارتفاع التضخم وتراجع حاد في السياحة والاستثمار وتدهور في الوضعين الخارجي والمالي للأردن.
· ونظرًا لشراكات الأردن الأمنية القوية مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن مخاطر عدم الاستقرار المالي الكلي تبقى منخفضة؛ إذ من المرجح جدًا حصول المملكة على دعم مالي في حال تعرضها لضغوط شديدة.
تطور الحرب وتداعيات الطاقة
تتمثل الرؤية الأساسية لمسار الصراع الأمريكي-الإيراني في أن الحرب قد تستمر عدة أسابيع مع ارتفاعات مؤقتة في أسعار النفط والغاز، ومع ذلك فإن الوضع يتطور بسرعة ويتجه نحو مزيد من التصعيد، ما قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى ويؤدي إلى آثار اقتصادية أوسع. وسيظل الأردن معرضًا بشدة لتداعيات الصراع، نظرًا لتعاونه الأمني الوثيق مع واشنطن ووجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيه ودوره في تنسيق الدفاع الجوي الإقليمي. ومن المرجح أن تستمر هشاشة الأردن طالما استمر الصراع وبقيت لدى إيران القدرة على تنفيذ ضربات عسكرية، إذ يُحتمل أن تظل قاعدة موفق السلطي الجوية هدفًا رئيسيًا.
التأثير الاقتصادي: محدود نسبيًا في السيناريو الأساسي
رغم هذه الضغوط، فإن الأثر الاقتصادي المباشر ظل حتى الآن محدودًا نسبيًا؛ فقد شهدت بورصة عمّان انخفاضًا طفيفًا بنسبة 1.7% بين 26 فبراير/ شباط و2 مارس/ آذار، كما ارتفعت عوائد السندات السيادية الأردنية المقومة بالدولار والمستحقة في عام 2029 بشكل محدود. وهذا يدعم التقدير بأن التداعيات الاقتصادية ستظل في هذه المرحلة مركزة في قطاعات محددة معرضة للخطر، بدلًا من التسبب في اضطراب اقتصادي شامل.
ويُتوقع تباطؤ النشاط الاقتصادي قليلًا خلال الربعين الثاني والثالث من عام 2026 في حال استمرت الحملة العسكرية ثلاثة إلى أربعة أسابيع.، ولهذا السبب انخفضت توقعات النمو الاقتصادي لعام 2026 من 2.9% إلى 2.7%. وما زالت توقعات سعر خام برنت لعام 2026 عند 67 دولارًا للبرميل، رغم أن المخاطر صارت تميل بوضوح نحو الارتفاع. وبناءً على ذلك، لم يتم تعديل توقعات التضخم في الوقت الراهن، وهو ما يحد من التأثيرات السلبية قصيرة الأجل على النمو.
قنوات انتقال التأثير الاقتصادي
يُعتقد أن يتأثر النمو الاقتصادي عبر أربع قنوات رئيسية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة:
1- تراجع أعداد السياح
فقد شكّل قطاع السياحة محركًا رئيسيًا للنمو في الفترات الأخيرة؛ حيث بلغت إيراداته 13.4% من الناتج المحلي الإجمالي للأردن عام 2024 (حوالي 7.2 مليار دولار). ومن المرجح أن يؤدي الصراع إلى تعطيل هذا الزخم عبر عاملين رئيسيين:
- اضطرابات تشغيلية حادة، تشمل إغلاق المجال الجوي وإغلاق مراكز الطيران في الخليج مؤقتًا، ما سيؤدي لإلغاء عدد كبير من الرحلات.
- استمرار حالة الحذر لدى المسافرين حتى بعد انتهاء الاضطرابات المباشرة، خصوصًا مع تشديد التحذيرات المتعلقة بالسفر.
ويتميز قطاع السياحة الأردني بحساسيته الشديدة للصدمات الخارجية؛ فقد ينخفض الطلب بسرعة عندما ترتفع مستويات الضبابية الإقليمية أو العالمية. ومن المرجح أن يؤدي ذلك لانخفاض حاد لكنه مؤقت في أعداد السياح خلال الربعين الثاني والثالث من عام 2026، على غرار ما حدث خلال حرب إيران-"إسرائيل" في يونيو/ حزيران 2025، مع آثار سلبية على قطاعات الضيافة والنقل والتجزئة والتوظيف المرتبط بها.
2- تعطل التجارة الإقليمية
تتمثل القناة الثانية للتأثير في تعطل جهود الأردن لتنويع أسواق صادراته بعيدًا عن الولايات المتحدة؛ فقد مثّلت العلاقات مع العراق وإعادة إعمار سوريا بعد الحرب فرصة مهمة لزيادة صادرات السلع والنشاط اللوجستي. لكن المخاطر الأمنية العالية وارتفاع تكاليف التأمين قد تؤدي لتأجيل الاستثمارات وإضعاف تدفقات التجارة البرية مؤقتًا نحو الأسواق الإقليمية الرئيسية. ومع ذلك، من المرجح أن تبقى التجارة مع السعودية، الشريك التجاري الأكبر للأردن في الخليج، مستقرة نسبيًا نظرًا لوجود حدود برية واسعة بين البلدين.
3- اضطراب إمدادات الغاز
يواجه الأردن بالفعل اضطرابات في تدفقات الغاز الطبيعي بعد أن علّقت "إسرائيل" إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب؛ فقد كانت هذه الإمدادات تشكل نحو 80% من احتياجات الأردن من الغاز وتغذي نحو ثلثي إنتاج الكهرباء في البلاد. ومع استمرار هذا الانقطاع طوال مدة الصراع سيضطر الأردن للاعتماد بشكل أكبر على بدائل مكلفة؛ ففي حين يمكن استخدام الديزل لتوليد الكهرباء كحل فوري فهو أكثر تكلفة بكثير، كما إن توسيع واردات الغاز الطبيعي المسال يواجه صعوبات بعد أن علّقت قطر شحناتها. ومن المرجح أن يؤدي هذا التحول لارتفاع تكاليف التشغيل في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل، الصناعات الكيماوية والأسمدة وقطاع البناء.
4- تراجع الثقة الاقتصادية
من المتوقع أن تتراجع الثقة الاقتصادية المحلية، في ظل قيام الشركات بتأجيل خطط الاستثمار بسبب ارتفاع حالة الضبابية الإقليمية. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأردني بالفعل ضغوطًا من تغيّر السياسات الجمركية الأمريكية، التي أضعفت الميزة التنافسية لصادرات الملابس الأردنية مقارنة ببعض الأسواق في جنوب شرق آسيا. كما إن توجيه رأس المال العامل نحو مصادر طاقة بديلة أكثر تكلفة سيقيد الاستثمارات الجديدة. وبالتالي، من المرجح أن يتراجع الاستثمار الخاص في المدى القريب، ما سيشكل عامل ضغط إضافي على النمو.
المخاطر المستقبلية: ضربة اقتصادية أكبر إذا طال أمد الحرب
تبقى المخاطر مائلة بقوة نحو السيناريو السلبي إذا تحولت الحرب إلى حملة عسكرية طويلة واتساع نطاقها إقليميًا إغلاق جزئي أو كامل لمضيق هرمز.
وفي هذا السيناريو قد ترتفع أسعار النفط العالمية إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل وتظل مرتفعة لفترة طويلة، ما سيؤدي إلى ارتفاع التضخم المحلي، تآكل القدرة الشرائية للأسر، تراجع أكبر في السياحة، وتباطؤ الاستثمارات.
وقد تتفاقم أيضًا اضطرابات التجارة خصوصًا في حال عودة التوترات في البحر الأحمر واحتمال شن الحوثيين هجمات جديدة، ما قد يؤدي لتعطيل الشحن عبر ميناء العقبة، المنفذ البحري الوحيد للأردن. وقد يؤدي ذلك لارتفاع تكاليف الشحن وتأخير الواردات والصادرات خصوصًا صادرات الفوسفات والملابس.
التأثير على المالية العامة والقطاع الخارجي
في السيناريو السلبي قد يتدهور الوضع المالي والخارجي للأردن بسبب ارتفاع فاتورة واردات الطاقة وتراجع صادرات الخدمات وانخفاض صادرات السلع، وهذا سيؤدي لاتساع عجز الحساب الجاري، وقد يؤدي ضعف النشاط الاقتصادي وارتفاع أسعار الوقود لزيادة الضغوط الاجتماعية والمالية على الحكومة.
ورغم ذلك، ما زال خطر حدوث أزمة مالية حادة منخفضًا، بسبب الشراكات الأمنية القوية مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" ودول الخليج، والدور المركزي للأردن في منظومة الدفاع الإقليمي، إضافة إلى السجل الطويل للمملكة في تلقي دعم مالي سريع من حلفائها. كما إن الاتصالات السياسية رفيعة المستوى في الأيام الأخيرة، حيث أجرى ملك الأردن اتصالًا مباشرًا مع الرئيس الأمريكي، تعكس وجود إرادة سياسية لدى الحلفاء لمنع حدوث زعزعة اقتصادية حادة في المملكة.