ملامح اتفاق أمريكي صيني قد يصنع قطبًا عالميًا ثالثًا بتحالف "ضرورة" بين أوروبا وروسيا

الساعة : 15:38
25 مارس 2026
ملامح اتفاق أمريكي صيني قد يصنع قطبًا عالميًا ثالثًا بتحالف

المصدر: جيوبوليتيكال فيوتشرز

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

لا تزال الحرب في إيران مستمرة ونتائجها غير مؤكدة ومدتها غير معروفة؛ ورغم أن هذا النزاع قد أثر بالفعل بشكل ملموس على النظام العالمي، فإن هناك تطورات تجري على الهوامش قد تكون أشد تأثيرًا وجسامة. ففي يومي 15 و16 مارس/ آذار الجاري، وبعد مرور أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب، التقت وفود برئاسة وزير الخزانة الأمريكي ونائب رئيس الوزراء الصيني في باريس؛ حيث وضعوا اللبنات الأساسية لتفاهم أوسع بشأن القضايا الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك ملف تايوان. ومجرد انعقاد هذا الاجتماع يشير إلى أن الحرب في إيران لا تشكل عقبة جوهرية أمام حالة "الانفراج" بين الولايات المتحدة والصين، بل إن الجانبين قد اقترحا وقبلا بالفعل موعدًا بديلًا للاجتماع. ولا يعني هذا أن تحالفًا رسميًا يلوح في الأفق، لكنه يعني أن التوترات الثنائية ستنخفض على الأرجح، وحتى لو تم التوصل لتسوية متواضعة فإنها ستمثل تحولًا كبيرًا، وإن كان متوقعًا، في النظام الجيوسياسي العالمي وسيكون أثره بالتأكيد أكبر من مآلات مستقبل إيران.

ولكي نكون واضحين، فقد انتقدت بكين الهجمات على إيران علنًا وبشدة، لكن لا يبدو حتى الآن أنها قدمت لطهران أي مساعدات فعلية. ورغم ما ذكرته وسائل إعلام روسية أن الصين زوّدت إيران بمعلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية، لكن لم يؤكد صحة تلك التقارير أي جهاز استخبارات آخر. فقد يكون ادعاء موسكو ناتجًا عن معلومات استخباراتية خاطئة بطبيعة الحال، لكنه قد يكون أيضًا مؤشرًا على أن روسيا، القلقة من احتمال حدوث تفاهم أمريكي صيني، تأمل في زرع بذور عدم الثقة بين القوتين العظميين. هذا مجرد تحليل وتكهن شخصي، لكن الواقع يؤكد أنه في حال تبلور هذا التفاهم فإن روسيا ستجد نفسها في وضع جيوسياسي خطير.

في نهاية المطاف، تبدو روسيا الآن أكثر انكشافًا من أي وقت مضى؛ فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي استقلت الدول التابعة السابقة في آسيا الوسطى والقوقاز، وفقدت موسكو كثيرًا من نفوذها في أوروبا الشرقية، وقد تكللت جهودها لاستعادة ذلك النفوذ بغزو أوكرانيا. وبالنظر إلى الخريطة الحديثة، سنجد أن روسيا أصبحت أصغر حجمًا وأكثر عرضة للتهديد مما كانت عليه من قبل، وفي الوقت نفسه، كانت العلاقة بين الصين وروسيا عدائية لحد ما خلال الحرب الباردة.

إن التوصل إلى تسوية بين الصين والولايات المتحدة يتطلب تفاهمًا متبادلًا بشأن القضايا الاقتصادية والعسكرية؛ فقد تضرر الاقتصاد الصيني بسبب تقلص فرص الوصول إلى السوق الأمريكية، وفي الوقت نفسه واجهت الولايات المتحدة "مشكلة في القدرة على تحمل التكاليف" بعد أن تراجع وصولها إلى السلع الصينية منخفضة السعر. وتدرك واشنطن أنها لا تستطيع الاعتماد اقتصاديًا على دولة قد تكون معادية عسكريًا، لذلك ففي حين أن التسوية لن تؤدي إلى تحالف، فإن خفض التوترات سيمنح كلا الدولتين حرية أكبر في الحركة، ولا يمكن حل مشاكل الصين الاقتصادية إلا من خلال اتفاقية اقتصادية مع الولايات المتحدة.

وبالنظر إلى تاريخ الصين مع روسيا، فإن هذا سيمثل تحدياً آخر؛ ففي هذه المرحلة تبدو روسيا ضعيفة اقتصاديًا ومجزأة جغرافيًا ومعرضة للخطر على معظم حدودها. وبالتالي، فإن وجود اتفاق أمريكي صيني بشأن العلاقات الاقتصادية وما يصاحبه من خفض للتوترات العسكرية، سيزيد من التهديدات المحتملة، إن لم تكن فورية، على حدود روسيا مع الصين، ويخلق حاجة ملحة للتطور اقتصاديًا لكي تظل قوة كبرى إلى حد ما.

في الوقت ذاته، من الواضح أن الولايات المتحدة أصبحت أقل اهتمامًا بأوروبا عما كانت عليه في السابق، معتبرةً أنها لا تتعرض لأي تهديد عسكري مباشر، وهي على أي حال قادرة اقتصاديًا على الدفاع عن نفسها، وليس لدى أوروبا ما تخشاه سوى روسيا. لكن بالنظر إلى الواقع الجيوسياسي الحالي، فإن روسيا بحاجة إلى أوروبا إذا كانت تأمل في إعادة بناء اقتصاد حيوي؛ وإن من الصعب دائمًا فهم ما ستفعله روسيا، خاصة مع الأحداث التي تجري في موسكو، مثل حجب الإنترنت مؤخرًا ورقابة المواقع الإلكترونية إلى جانب وجود تقارير عن تواجد شرطي مكثف في العاصمة.

أما بالنسبة لأوروبا، فلا يوجد بلد بهذا الاسم؛ فأوروبا عبارة عن مزيج كبير من دول صغيرة عديدة تمتلك ثقافات ومصالح مختلفة. لكن إذا تم التوصل لتفاهم بين الولايات المتحدة والصين، اللتين تمثلان معًا قرابة نصف الاقتصاد العالمي، وإذا توافقت المصالح الاقتصادية للدول الأوروبية مع روسيا، التي لا يمكن التنبؤ بتحركاتها، فسيترتب على ذلك منطقيًا أن تضطر أوروبا للوصول إلى نوع من الإجماع حول إذا كانت ستظل "تحالفًا للراغبين" أو أن تشكل كيانًا أكبر يتمتع بقوة عسكرية واقتصادية هائلة. وإذا حدث هذا، فإن التسوية الروسية الأوروبية ليست مستحيلة؛ حيث سيكون لدى روسيا حاجة جوهرية للارتباط الاقتصادي بأوروبا، ولدى أوروبا حاجة للقوة العسكرية الروسية. وإن كان هذا يبدو مستحيلًا في هذه المرحلة مع استمرار الحرب في أوكرانيا، لكن نظرًا لأن التاريخ قد يتطور بهذا الاتجاه فإن هذا الاحتمال يظل سيناريو لا يمكن التغافل عنه في الحسابات المستقبلية.

وهكذا، فإن تفاهمًا محتملًا بين الولايات المتحدة والصين قد يغير النظام العالمي، فالتحولات الجيوسياسية تُحدث تغييرات عميقة في العلاقات بين الأمم. كما إن الأزمة المستمرة في إيران تترك الصين أمام مشاكل خطيرة محتملة فيما يتعلق بالطاقة، وهذا موضوع للنقاش بين الرئيسين "ترامب" و"شي جين بينغ".

إن هذه المقاربة تفترض وجود تفاهم أمريكي صيني لم يتحقق بعد، كما تفترض رد فعل روسيا وكذلك أوروبا، لكن التسوية الأمريكية الصينية مرجحة، والحرب ضد إيران، حتى مع عواقبها المحتملة، هي أقل أهمية بكثير مما تبدو عليه.