مصر تعيش مأزقاً كبيراً بسبب الحرب على إيران.. تداعيات اقتصادية ودبلوماسية مؤثرة في ظل حاجتها للتوازن في مواقفها من مختلف أطراف الصراع

الساعة : 13:17
12 مارس 2026
مصر تعيش مأزقاً كبيراً بسبب الحرب على إيران.. تداعيات اقتصادية ودبلوماسية مؤثرة في ظل حاجتها للتوازن في مواقفها من مختلف أطراف الصراع

المصدر: المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

مع تصاعد التوترات في الخليج يتعيّن على مصر الموازنة بين التضامن مع شركائها العرب وبين المخاطر الاقتصادية والدبلوماسية الناجمة عن احتمال اتساع نطاق الحرب الإقليمية؛ فبالنسبة لمصر، لا تقتصر الأزمة على التصعيد العسكري فحسب، بل تتعلق أيضًا بأمن الدول العربية واستقرار الأسواق الإقليمية والحفاظ على التوازن الجيوسياسي الهش أصلًا. وقد جاء رد مصر حذرًا لكنه محسوب؛ فبينما أعربت القاهرة عن قلقها إزاء اتساع رقعة الصراع، متجنبة الإشارة إلى العملية الأمريكية-"الإسرائيلية" الأولى، أدانت بشدة الهجمات التي استهدفت دول الخليج. ويعكس موقف مصر المتزن هذا الضغوط المختلفة التي تشكّل سياستها الخارجية؛ تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، وعلاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع شركاء الخليج خصوصًا السعودية والإمارات، وسلام غير مريح مع "إسرائيل"، وعلاقة حذرة لكنها براغماتية تاريخيًا مع إيران.

التداعيات الاقتصادية

قد تكون التداعيات الاقتصادية للصراع على مصر كبيرة؛ لا سيما مع تهديد التوترات لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة خلال الأيام الأخيرة، ما يؤدي لزيادة كلفة الواردات بالنسبة لمصر ويفرض ضغوطًا إضافية على اقتصاد لم يبدأ بالتعافي إلا مؤخرًا، بعد سلسلة صدمات إقليمية واقتصادية. وقد تؤدي زيادة تكاليف الطاقة لإرهاق المالية العامة وتعقيد الجهود الرامية لتثبيت الاستقرار الاقتصادي.

وقد بدأت الأزمة بالفعل تؤثر في قطاعات اقتصادية رئيسية في مصر؛ فتراجع حركة الشحن أدى لانخفاض حركة المرور عبر قناة السويس، وزاد تعليق صادرات الغاز الطبيعي "الإسرائيلية" من الضغوط على منظومة الطاقة المصرية. كما أدت هذه الاضطرابات لتعقيد تخطيط الإمدادات، فاضطرت مصر لتعليق تدفقات الغاز إلى لبنان وسوريا عبر خط الغاز العربي لإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية.

من جانبهم، يحذّر محللون من أن هذه الضغوط قد تثقل كاهل التعافي الاقتصادي الهش في مصر إذا استمر الصراع، وقد تؤدي لتعقيد جهود الحكومة في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي. وقد يواجه قطاع السياحة، وهو ركيزة أساسية في الاقتصاد المصري (يسهم بنحو 8 - 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي)، ضغوطًا جديدة إذا تصاعدت حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

في الوقت ذاته، فإن الروابط الاقتصادية بين مصر ودول الخليج تعني أن أي اضطراب في المنطقة يحمل انعكاسات داخلية مباشرة؛ فتحويلات ملايين المصريين الذين يعيشون ويعملون في دول الخليج تمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لمصر، إذ بلغت 37.5 مليار دولار عام 2025. وقد بدأت اضطرابات السفر والإغلاق الجوي في المنطقة تؤثر بالفعل في حركة التنقل بين دول الخليج، وإذا تصاعد الصراع أكثر فقد يؤثر ذلك أيضًا على اقتصادات الخليج نفسها، ما قد يحد من الدعم المالي والاستثمارات التي تقدمها دول مثل السعودية والإمارات للمساعدة في استقرار الاقتصاد المصري.

التداعيات الدبلوماسية

لطالما سعت مصر لتقديم نفسها بأنها قوة استقرار داخل العالم العربي، وعلى مدى التاريخ لعبت القاهرة دور الوسيط في العديد من النزاعات الإقليمية، مستفيدةً من ثقلها الدبلوماسي وموقعها الجغرافي؛ من المفاوضات بين الفصائل الفلسطينية و"إسرائيل" إلى التنسيق الدبلوماسي العربي الأوسع. لكن الحرب الحالية تضع هذا الدور تحت ضغط كبير؛ حيث تجد مصر نفسها مضطرة للموازنة بين موقفها الدبلوماسي التقليدي والحاجة للوقوف بحزم إلى جانب أقرب شركائها العرب. فقد أصبحت دول مثل السعودية والإمارات والكويت ذات أهمية كبيرة بالنسبة لمصر خلال العقد الماضي؛ إذ قدمت دعمًا ماليًا واستثمارات ومساندة سياسية خلال فترات الضغوط الاقتصادية والسياسية.

كما إن مصر تتقاسم مع عدة دول خليجية مخاوف مشتركة، بشأن عدم الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة البحرية واحتمال توسع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، أصبحت القاهرة أكثر ميلًا للتوافق مع مواقف الخليج في القضايا الإقليمية الرئيسية، وهو ما يعكس ليس فقط المخاوف الأمنية المشتركة، بل الأهمية الاقتصادية والسياسية المتزايدة للشراكات الخليجية بالنسبة لمصر كذلك. في الوقت نفسه، تتأثر الحسابات الدبلوماسية المصرية أيضًا بشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وعلاقتها الأكثر حذرًا مع إيران؛ فقد حافظت القاهرة على شراكة استراتيجية مع واشنطن منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي تقوم على التعاون العسكري والتنسيق الأمني والمساعدات الاقتصادية، ما يجعل الولايات المتحدة ركيزة أساسية في علاقات مصر الخارجية.

أما العلاقات المصرية-الإيرانية فقد ظلت محدودة منذ القطيعة التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979 وتوقيع مصر معاهدة السلام مع "إسرائيل"، وكذلك قرار القاهرة منح اللجوء لشاه إيران المخلوع، رغم أن قنوات الاتصال أعيد فتحها أحيانًا في السنوات الأخيرة. وتضع هذه المعطيات مصر في موقع معقد في الأزمة الحالية؛ فالوضع الحالي يفرض عليها أن تصطف سياسيًا مع شركائها في الخليج وتحافظ على تعاونها مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تتجنب مواجهة مباشرة مع طهران وتواصل التأكيد على ضرورة خفض التصعيد في المنطقة.