المصدر: أتلانتك كاونسل
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
لم يتدخل الحوثيون بعد للدفاع عن طهران لكنهم حذّروا في بيانات رسمية من أن "أصابعهم على الزناد"، وقد فاجأ هذا التردد الظاهري كثيرين ممن ينظرون إلى الحوثيين باعتبارهم مجرد وكيل إيراني أو ميليشيا متهورة جاهزة للقتال في أي لحظة. لكن يبدو أن هذين الوصفين مبسّطان لحد كبير؛ فالحوثيون جماعة شديدة القدرة على التكيّف، ولديهم طموحات إقليمية واسعة إلى جانب أهداف داخلية لم تُحسم بعد.
فالانخراط في الحرب مع إيران لن يمنح الحوثيين المكاسب الداخلية والدولية نفسها التي حققوها عندما هاجموا "إسرائيل" وحركة الملاحة في البحر الأحمر خلال حرب غزة، كما إن المشاركة في الصراع الإيراني قد تنطوي على مخاطر أكبر. فقد أدى انخراط الحوثيين في حرب غزة إلى رفع مكانتهم على الساحة الدولية، كما سمح لهم باستثمار الدعم الواسع الذي يبديه اليمنيون للفلسطينيين، وذلك في الوقت الذي كانت تتزايد فيه حالة التململ الشعبي داخل مناطق سيطرتهم. لكن اليمنيين أكثر تحفظًا بكثير في دعم إيران، وهي دولة ذات موارد كبيرة يرى كثير من اليمنيين أنها مجرد قوة خارجية أخرى تتدخل في شؤون بلادهم. إضافة لذلك، فإن مشاركة السعودية في الحرب الحالية تعني أن تدخل الحوثيين قد يعرقل حالة التهدئة معها القائمة منذ عام 2022، ما قد يعيد اليمن لحرب مفتوحة مع الرياض.
وإذا قرر الحوثيون في النهاية الانخراط في الحرب الإيرانية فقد يكون ذلك لأنهم خلصوا إلى أن التهدئة لم تعد تخدم مصالحهم؛ وفي هذه الحالة قد يؤدي تدخلهم لإشعال الحرب اليمنية من جديد بعد أربع سنوات من الهدوء النسبي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات كبيرة على اليمن والمنطقة.
وبالتالي، فإن لدى الحوثيين ثلاثة خيارات للمشاركة في الحرب الإيرانية تتمثل في التالي:
أولًا: استئناف الهجمات على "إسرائيل": وهو الخيار الأقل مخاطرة بالنسبة للحوثيين؛ فرغم أن الغالبية العظمى من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي شنتها الجماعة على "إسرائيل" خلال حرب غزة تم اعتراضها أو فشلت في الوصول إلى أهدافها، لكنها أظهرت قدرتها على اختراق المجال الجوي "الإسرائيلي". وقد تسببت بعض الضربات الحوثية بالفعل في سقوط عشرات الضحايا وإلحاق أضرار بمطار بن غوريون.
وقد يدفع هذا السيناريو "إسرائيل" لشن غارات جوية جديدة على اليمن، مثل هذه الضربات كانت مكلفة عسكريًا واقتصاديًا للحوثيين لكنها في الوقت نفسه ساعدتهم على حشد الدعم الشعبي الداخلي. فرغم أن الضربات "الإسرائيلية" على ميناء الحديدة كانت مؤثرة؛ إذ يعد الميناء شريانًا اقتصاديًا حيويًا لبلد يعتمد على الاستيراد، كما يمثل مصدرًا لعائدات النفط غير المشروعة التي يحصل عليها الحوثيون، فقد أظهر الحوثيون قدرة كبيرة على الصمود أمام تلك الضربات.
ثانيًا: استئناف الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر: ويتمثل هذا الخيار في تعطيل الملاحة التجارية، وهو أسهل بكثير بالنسبة للحوثيين من ضرب "إسرائيل"، نظرًا لموقعهم الاستراتيجي على طول مضيق باب المندب. وقد تمكّن الحوثيون خلال حرب غزة من إغراق عدة سفن تجارية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق المأهولة وغير المأهولة. كما إن المخاطر التي شكلتها هجماتهم كادت أن توقف المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس عام 2023.
لكن مهاجمة البحر الأحمر عام 2026 ستكون أكثر تأثيرًا وأكثر خطورة في الوقت نفسه بالنسبة للحوثيين، إذ قد تهدد التهدئة مع السعودية؛ فمع إغلاق مضيق هرمز فعليًا بسبب الحرب مع إيران، تعتمد السعودية على منشآتها المطلة على البحر الأحمر للحفاظ على جزء من صادراتها النفطية التي يتجه معظمها إلى آسيا وتمر عادة جنوبًا بمحاذاة اليمن. ودون هذا المسار عبر البحر الأحمر، قد تتوقف تدفقات النفط الخليجية تمامًا بعد أسابيع قليلة أخرى من الحرب. لذلك من المرجح أن تكون السعودية قد أبلغت الحوثيين بأن الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر تمثل "خطًا أحمر" قد يستدعي ردًا عسكريًا من طرفها. ومع ذلك، يميل الحوثيون عادة إلى اختبار الخطوط الحمراء؛ فقد ينفذون هجمات محدودة في البحر الأحمر ثم يتراجعون إذا تبين لهم أن ذلك قد يهدد التهدئة مع السعودية، وقد يسعون لاستغلال مخاوف السعودية من تعطيل الملاحة في البحر الأحمر لانتزاع تنازلات جديدة من الرياض.
ثالثًا: استئناف الهجمات على السعودية و/أو الإمارات: وهو الأكثر خطورة وتأثيرًا، وقد يحدث تزامنًا مع هجمات في البحر الأحمر وعمليات برية داخل اليمن، تهدف للسيطرة على موارد النفط والغاز في البلاد وإضعاف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وفي هذه الحالة سيكون الحوثيون قد أعادوا فعليًا إشعال الحرب اليمنية. وإذا قررت السعودية أو الإمارات الرد عسكريًا على الهجمات الإيرانية التي تستهدف البنية التحتية المدنية والاقتصادية في البلدين، فقد يستخدم الحوثيون هذا الرد لتأكيد أن دول الخليج هي التي خرقت التهدئة وليس هم. وإذا اختار الحوثيون هذا المسار فسيكون دافعهم الأساسي هو حساباتهم بشأن الوضع داخل اليمن أكثر من الحرب في إيران نفسها.
وإذا خلص الحوثيون إلى أن المقاربة السعودية قد تغيرت وأن التوصل لاتفاق لم يعد ممكنًا، فقد يدفعهم ذلك لاستئناف الحرب؛ فقد يرون أن الحكومة اليمنية ما زالت في طور إعادة بناء قدراتها، وأن السعودية منشغلة بالهجمات الإيرانية، وبالتالي فإن الوقت مناسب لشن هجوم عسكري بهدف السيطرة على موارد النفط والغاز في اليمن. وقد بدأ بعض المحللين اليمنيين بالفعل التحذير من أن الحوثيين يبدو أنهم يحشدون لحرب برية، من خلال حملات تجنيد واسعة.
تداعيات إعادة إشعال الحرب اليمنية
رغم أن اليمن ما زال مصدرًا مستمرًا لعدم الاستقرار الإقليمي، فإن الحرب الأهلية والهجمات الحوثية العابرة للحدود ضد السعودية والإمارات كانت متوقفة فعليًا خلال السنوات الأربع الماضية. وحتى قبل هدنة أبريل 2022، كانت التحالفات العسكرية بقيادة السعودية قد قلصت عملياتها داخل البلاد بشكل كبير، ولم يشهد اليمن منذ عام 2018 صراعًا واسع النطاق أو حملات كبيرة للتحالف تهدف لإزاحة الحوثيين عن السلطة.
لكن إذا اندلعت الحرب اليمنية مجددًا فإن ذلك سيفتح جبهة كبرى جديدة في وقت يعاني فيه الشرق الأوسط أصلًا من تداعيات الحروب، وبالنسبة لليمنيين سيؤدي ذلك لتعميق الأزمة الإنسانية في البلاد، التي ستزداد سوءًا بسبب نقص المساعدات الغذائية. كما إن استئناف الهجمات الحوثية سيشكل تحديًا عسكريًا خطيرًا للسعودية؛ لأنها ستضطر لتوزيع قدراتها الدفاعية الجوية المحدودة أصلًا لمواجهة هجمات قادمة من الجنوب ومن الشرق في الوقت نفسه.
علاوةً على ذلك، فإن اتساع دائرة الأطراف المنخرطة في صراعات مترابطة عبر منطقة الخليج قد يجعل من الصعب للغاية إيجاد مخارج دبلوماسية للأزمة، وقد يوسع أيضًا نطاق تداعيات حرب يُرجح بالفعل أن تغير شكل المنطقة لسنوات طويلة قادمة.