استحالة تنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار في لبنان وغزة

الساعة : 16:02
6 يوليو 2026
استحالة تنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار  في لبنان وغزة

المصدر: موقع موندووايس

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

إن اشتراط "إسرائيل" انسحابها من جنوب لبنان بنزع سلاح "حزب الله" يعكس الاستراتيجية نفسها التي تتبعها في غزة، والمتمثلة في فرض شروط يستحيل تنفيذها بما يبرر استمرارها في حالة الحرب الدائمة. فقد توصلت "إسرائيل" أخيرًا إلى اتفاق لإنهاء حربها على لبنان برعاية الولايات المتحدة، إثر توقيع سفيري البلدين في واشنطن اتفاقًا إطاريًا يحدد شروط انسحاب "إسرائيل" التدريجي من جنوب لبنان. لكن هناك مشكلة جوهرية واحدة؛ فالطرف اللبناني الذي وقّع الاتفاق ليس الطرف الذي يخوض القتال، كما إن الانسحاب "الإسرائيلي" مشروط بنزع سلاح هذا الطرف الذي لم يكن أصلًا جزءًا من المفاوضات، وهو "حزب الله".

لذلك ليس مستغربًا أن تنظر شريحة من الطبقة السياسية اللبنانية بعين الريبة إلى الاتفاق الذي يرسم ظاهريًا مسارًا لإنهاء الحرب على لبنان، لكنه يربط ذلك بنزع سلاح "حزب الله" رغم أن الحزب لم يكن طرفًا في الاتفاق. وبدلًا من ذلك، ينص الاتفاق على أن يتولى الجيش اللبناني نزع سلاح الحزب، وهو أمر عجز الجيش "الإسرائيلي" نفسه عن تحقيقه، وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تصر "إسرائيل" على فرض شروط تجعل تنفيذ الاتفاق برمته مستحيلًا؟

تتضح الإجابة عن هذا السؤال عند النظر إلى الطريقة التي تعاملت بها "إسرائيل" مع "وقف إطلاق النار" في قطاع غزة؛ فقد اشترطت لانسحابها من القطاع نزع سلاح حركة حماس وجميع الفصائل الأخرى في القطاع بالكامل. وحتى لو وافقت حماس على تنفيذ مثل هذا الشرط، فسيظل غير قابل للتطبيق عمليًا في ظل الانتشار الواسع للأسلحة داخل غزة ووجود جماعات مسلحة تدعمها "إسرائيل". وكما أُشير سابقًا، فإن استحالة تنفيذ هذه الشروط ليست مصادفة؛ بل هو فخ يهدف لضمان استمرار احتلال "إسرائيل" لمعظم أراضي القطاع، وبالتمعن في بنود الاتفاق الأخير  بين "إسرائيل" ولبنان يسهل الوصول إلى النتيجة نفسها.

ماذا يتضمن الاتفاق؟

ينص الاتفاق على إنهاء حالة الحرب بين "إسرائيل" ولبنان وتشكيل فريق عمل يتولى إعداد اتفاق سلام شامل، وعلى المدى القريب يضع إطارًا محددًا لكيفية انسحاب "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية المحتلة. فالانسحاب الذي يُفترض أن يترافق مع إعادة انتشار الجيش اللبناني في مختلف أنحاء البلاد بدءًا بمنطقتين تجريبيتين، يرتبط بالكامل بقيام الجيش اللبناني بنزع سلاح "الجماعات غير الحكومية" وفي مقدمتها "حزب الله" وتفكيك بنيتها العسكرية. بالمقابل، يتضمن الاتفاق حزمة مساعدات اقتصادية أمريكية مخصصة لإعادة إعمار لبنان وتعزيز اقتصاده، إضافةً لإنشاء فريق خاص للتنسيق الأمني بين "إسرائيل" ولبنان بإشراف الولايات المتحدة.

وهذا هو الجزء الذي يجري الاحتفاء به علنًا، غير أن هناك ما هو أبعد من ذلك؛ فبحسب "القناة 12" العبرية ومصادر مقربة من الحكومة اللبنانية، يتضمن الاتفاق ملحقًا أمنيًا سريًا يمنح "إسرائيل" حرية العمل العسكري داخل المناطق التي ما زالت تحتلها. ووفقًا للمعلومات المسربة، فإن الملحق يربط أيضًا انسحاب "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية بنجاح عملية نزع السلاح وليس بجدول زمني محدد مسبقًا. وتفسر هذه البنود، سواء الواردة في النص العلني أو في الملحق المسرب، الانقسام الحاد في مواقف القوى السياسية اللبنانية تجاه الاتفاق.

وصفة لإراقة الدماء في الداخل

أشاد الرئيس اللبناني، جوزيف عون، بالاتفاق واصفًا إياه بأنه "إنجاز دبلوماسي كبير" وخطوة أولى نحو استعادة لبنان سيادته الكاملة، كما اعتبره رئيس حزب "الكتائب اللبنانية"، سامي الجميل - وهو من أبرز معارضي "حزب الله"- "إنجازًا" لأنه "يضمن احتكار الدولة للسلاح". بالمقابل، هاجمت أطراف أخرى في المشهد السياسي اللبناني، بما في ذلك حلفاء الحزب، الاتفاق واعتبرته غير قابل للتنفيذ؛ فقد وصفه رئيس مجلس النواب، نبيه بري، بأنه "إملاءات أمريكية"، بينما رفضه القيادي في "الحزب الشيوعي اللبناني"، حنا غريب، معتبرًا أنه "خطوة نحو التطبيع" مع "إسرائيل". أما الزعيم الدرزي والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، فقد انتقد الاتفاق بشدة واصفًا إياه بأنه "ثلاثي في الشكل أحادي في المضمون"، مضيفًا أنه تجاهل اتفاقية الهدنة الموقعة مع "إسرائيل" عام 1949، وهو ما يضعف موقف لبنان وشرعيته.

لكن الأهم من ذلك أن الطرف المعني مباشرة بالاتفاق، وهو "حزب الله" قد رفضه رفضًا قاطعًا؛ إذ قال الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، إن الاتفاق يمثل "تنازلًا عن سيادة لبنان" مؤكدًا أن ربط الانسحاب "الإسرائيلي" من لبنان بنزع سلاح الحزب "يتجاوز كل الخطوط الحمراء"، ويؤدي إلى "إضفاء الشرعية على احتلال الأراضي اللبنانية لسنوات طويلة مقبلة"، وأضاف أن الحزب لا يعترف بالاتفاق ويعتبره باطلًا، داعيًا الدولة اللبنانية إلى التراجع عنه.

كما حذر منتقدون لبنانيون للاتفاق من أن البند الذي يكلف الجيش اللبناني مباشرة بنزع سلاح الحزب يشكل وصفة لصراع داخلي، وقد يقود لسفك الدماء بين اللبنانيين. حتى إن بعض المنتقدين "الإسرائيليين" أشاروا إلى أن "حزب الله"، الذي حافظ على تماسكه كقوة عسكرية رغم الضغوط العسكرية "الإسرائيلية"، سيجد نفسه في موقع يسمح له بتعزيز وضعه بغض النظر عما تفعله "إسرائيل". فإذا انسحبت "إسرائيل" من لبنان سيعلن الحزب النصر ويستخدم ذلك مبررًا للإبقاء على سلاحه، وإذا لم تنسحب فسيؤكد أن استمرار الاحتلال يفرض عليه الاحتفاظ بسلاحه لإجبار "إسرائيل" على الخروج.

بعبارة أخرى، فإن استبعاد الحزب من الاتفاق وتحويل الدولة اللبنانية إلى الطرف الرئيسي في تنفيذه يجعل تطبيق الاتفاق شبه مستحيل دون الانزلاق إلى ما يشبه الحرب الأهلية؛ فقد تتمكن الدولة اللبنانية من تقديم جميع الضمانات الأمنية التي تطالب بها "إسرائيل" على الورق، لكن لا "إسرائيل" ولا الدولة اللبنانية استطاعتا حتى الآن انتزاع مثل هذه التنازلات من الحزب. ومن ثم، فرغم أن التنازلات الخطابية التي قدمتها الدولة اللبنانية إلى "إسرائيل" تحمل أهمية سياسية فإنها لا تبدو قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وهذا التناقض قد يشير إلى أن الاتفاق بأكمله صُمم منذ البداية لكي يفشل. ويصبح فهم ذلك أسهل عندما ننظر إلى أماكن أخرى طبقت فيها "إسرائيل" اتفاقات مشابهة، وليس علينا أن نبحث كثيرًا؛ فليس نموذخ غزة عنا ببعيد!

غزة... تكرار للمشهد نفسه

عندما تم التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نص الاتفاق على ثلاث مراحل لانسحاب "إسرائيل" من القطاع، يفترض أن تترافق مع زيادة دخول المساعدات الإنسانية والشروع في عمليات إعادة الإعمار، لكن ما نُفذ فعليًا اقتصر على المرحلة الأولى فقط؛ حيث سحبت "إسرائيل" قواتها إلى "الخط الأصفر" الذي يقسم القطاع إلى نصفين تقريبًا. ومنذ ذلك الحين ربطت "إسرائيل" انتقالها إلى المرحلة الثانية بنزع سلاح حماس وسائر فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة بشكل كامل، وهو ترتيب يكاد يكون مطابقًا تمامًا لما ورد في الاتفاق الخاص بلبنان.

وكما هو الحال في لبنان، جاءت شروط وقف إطلاق النار في غزة، كما صيغت ضمن خطة "ترامب" ذات النقاط العشرين، غامضة عمدًا فيما يتعلق بكيفية تنفيذ عملية نزع السلاح، الأمر الذي يتيح لـ"إسرائيل" في أي وقت مستقبلًا الادعاء بأن شروط نزع السلاح لم تتحقق بعد. وخلال الأشهر الأخيرة اتجهت "إسرائيل" نحو تبني تصور أكثر تشددًا لنزع السلاح، وهو ما ظهر لأول مرة في آذار/ مارس الماضي خلال المحادثات المباشرة التي أجراها "نيكولاي ملادينوف"، رئيس "مجلس السلام" التابع للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع الفصائل الفلسطينية في غزة. وفي جولات التفاوض اللاحقة وجّه "ملادينوف" إنذارًا إلى حماس وبقية الفصائل الفلسطينية، اشترط فيه نزع السلاح كاملًا من القطاع كشرط مسبق لانسحاب "إسرائيل" وبدء إعادة الإعمار، بحيث يشمل ذلك آخر بندقية وآخر مسدس.

ومنذ ذلك الحين وصف قادة حماس شروط "ملادينوف" بأنها تكاد تكون نسخة حرفية من المطالب "الإسرائيلية" المتشددة، معتبرين أن "ملادينوف" طرف منحاز وفاقد للحياد. فمثل هذا الشرط يستحيل تحقيقه بسبب الانتشار الواسع للأسلحة الفردية الخفيفة داخل غزة، والتي تمتلكها العائلات والعشائر بصورة خاصة، فضلًا عن امتلاك فصائل فلسطينية أخرى غير حماس أسلحة خفيفة. وفوق ذلك، توجد ميليشيات فلسطينية مدعومة من "إسرائيل" ومدججة بالسلاح تعهدت بالقضاء على حماس، وهو ما يعني أن أي عملية طوعية لنزع السلاح ستجعل الحركة عرضة لهجمات خصومها وتؤدي لحالة من الفوضى والفراغ الأمني.

أما بالنسبة لـ"إسرائيل"، فإن اندلاع الفوضى والصراع الداخلي الفلسطيني سيكون نتيجة مرغوبة، لأن ذلك سيمنحها مبررًا للإبقاء على احتلال القطاع لأجل غير مسمى. وحتى لو حاولت حماس الامتثال لهذه الشروط فسيكون بإمكان "إسرائيل" بسهولة الاحتجاج باستمرار وجود الأسلحة الفردية الخفيفة في غزة باعتباره دليلًا على أن الحركة لم تفِ بالتزاماتها الواردة في الاتفاق. في الوقت نفسه، تواصل القوات "الإسرائيلية" هدم المنازل الفلسطينية وغيرها من المنشآت في المناطق التي تسيطر عليها، والتي أصبحت تشكل الآن أكثر من 65% من مساحة القطاع، بما يقضي فعليًا على أي إمكانية لعودة السكان الفلسطينيين إليها.

والخلاصة: يبدو أن استحالة تنفيذ الاتفاقات هدف بحد ذاته سواءً في لبنان أو في غزة؛ إذ تستخدم "إسرائيل" عدم تنفيذ شرط نزع السلاح ذريعةً لمواصلة احتلال الأراضي اللبنانية والفلسطينية، كما تبرر استمرارها في حالة الحرب الدائمة بضرورة نزع سلاح "حزب الله" وحماس. إضافةً لذلك، فإن استمرار الحرب يمثل ضرورة سياسية بالنسبة لرئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، الذي تفصله عن الانتخابات بضعة أشهر فقط، في ظل استمرار حالة الضبابية بشأن فرصه في الفوز وفقًا لاستطلاعات الرأي.