السيناريوهات المتوقعة للمباحثات الحالية بين إيران والولايات المتحدة

الساعة : 10:59
13 يونيو 2026
السيناريوهات المتوقعة للمباحثات الحالية بين إيران والولايات المتحدة

المصدر: جيروزاليم ستراتيجيك تريبيون

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

إن الخطر الأكبر في الاتفاق الذي تجري محاولة تبلوره يكمن في أنه قد يمنح النظام الإيراني طوق نجاة سياسيًا واقتصاديًا في اللحظة ذاتها التي يبدو فيها أكثر هشاشة وضعفًا. فالمبرر الرئيسي للحرب التي استمرت أربعين يومًا مع إيران يرتبط بسؤال هل ستؤدي هذه الحرب إلى نتيجة أفضل من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA) أم لا؟ فإذا تحقق ذلك، فسيكون "ترامب" قد أثبت صحة موقفه الذي دافع عنه طوال عقد كامل، بأنه قادر على إبرام اتفاق أفضل. أما إذا أخفق في ذلك، فسيكون قد أثبت أن دبلوماسية "أوباما" الحذرة والتوافقية كانت أكثر حكمة وواقعية.

ورغم أن تفاصيل أساسية كثيرة ما زالت غير واضحة، فإن الإجابة عن هذا السؤال يمكن تقييمها من خلال مقارنة الوضعين كما يبدوان اليوم؛ فالسؤال الجوهري الأول يتعلق بمصير اليورانيوم الإيراني المخصب؛ فقد نص اتفاق عام 2015 على تخلي إيران عن معظم مخزونها من اليورانيوم المخصب، الأمر الذي أعاد فعليًا عقارب الساعة إلى الوراء، وكان ذلك الإنجاز الأبرز للاتفاق النووي آنذاك. أما في الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه حاليًا، فما زال "ترامب" يصر على أن تتخلى إيران عن مخزونها كاملًا المقدر بنحو 440 كلجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، لكن ماذا عن التسعة أطنان الأخرى من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% و5%؟ ما زال هذا الأمر غامضًا حتى الآن.

وقد كان أحد أبرز أوجه القصور في اتفاق عام 2015 أنه سمح لإيران بالاحتفاظ بمعظم بنيتها التحتية الصناعية الضخمة الخاصة بالتخصيب، والتي كانت تعتبر سابقًا غير مشروعة، بينما كان من المقرر أن تنتهي القيود المفروضة على استخدامها خلال عقد واحد، ما يفتح الطريق أمامها لاستئناف سعيها نحو امتلاك سلاح نووي.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه البنية التحتية غير قابلة للاستخدام نتيجة الضربات "الإسرائيلية" والأمريكية، لذلك فإن أي اتفاق يريد "ترامب" أن يقدمه بوصفه أفضل من الاتفاق النووي السابق يجب أن يتضمن آلية تمنع إيران من إعادة بناء هذه القدرات. ولا يكفي أن يشمل تعهدًا إيرانيًا فحسب بل يجب أن يتضمن أيضًا آلية تنفيذ ورقابة تضمن استمرار "صفر تخصيب" إلى أجل غير مسمى.

كما إن الاتفاق السابق تجاهل ملفات أخرى على رأسها الصواريخ والطائرات المسيّرة والعدوان الإقليمي الذي تمارسه إيران عبر وكلائها، وحتى الآن لا توجد مؤشرات على أن فرض قيود على الصواريخ والطائرات المسيّرة يشكل محورًا أساسيًا في المناقشات الحالية. ولا يوجد وضوح كذلك بشأن مصير حزب الله أو شبكة الوكلاء الإقليميين التابعة لإيران، بل على العكس يجري الحديث عن ربط الاتفاق بوقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما قد يقيّد حرية "إسرائيل" في التحرك ضد حزب الله.

والجدير بالملاحظة أن هذه القضايا ليست هامشية؛ فبالنسبة لـ"إسرائيل"، وبدرجة أكبر بالنسبة لدول الخليج، لا تقل هذه الملفات أهمية عن القضية النووية نفسها. وقد تكون قضية العقوبات أكثر أهمية من كل ما سبق؛ فقد كان أحد أبرز إخفاقات اتفاق عام 2015 أن رفع العقوبات منح طهران مساحة مالية هائلة ساعدتها على تمويل وكلائها الإقليميين وتوسيع قدراتها العسكرية. وما زال الخطر نفسه قائمًا اليوم؛ فكل شيء يعتمد على نطاق وتوقيت تخفيف العقوبات. فهل ستفرج واشنطن عن الأموال الإيرانية المجمدة؟ وهل ستخفف القيود المفروضة على صادرات النفط؟ وهل ستستعيد طهران إمكانية الوصول إلى النظام المالي الدولي مقابل مجرد وعود بالامتثال في المستقبل؟

لذلك فإن الخطر الأكبر في الاتفاق الناشئ لا يتمثل فقط في فشله في القضاء الدائم على الطموحات النووية الإيرانية، أو حتى في منحه إيران حرية مواصلة تهديداتها غير النووية، بل في كونه قد يمنح النظام شريان حياة سياسيًا واقتصاديًا في الوقت الذي يبدو فيه أكثر هشاشة. وما دام النظام باقيًا بصيغته الحالية، فإن التهديد الأساسي الذي يشكله ضد "إسرائيل" ودول الخليج سيظل قائمًا؛ حيث تشير تقارير إلى أن مذكرة التفاهم الناشئة تركز أولًا على إعادة فتح مضيق هرمز، ثم الانتقال لاحقًا إلى مفاوضات أوسع حول الملف النووي. ومن المفهوم أن يتم اعتماد هذا الترتيب نظرًا للاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة العالمية، لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع مثل هذا الاتفاق فعلًا إعادة حركة الملاحة إلى ما كانت عليه في فبراير/ شباط 2026؟ فمن المستبعد جدًا أن توافق إيران فعليًا على استعادة حرية الملاحة الكاملة، بل من المرجح أن تصر على الاحتفاظ بحق تنظيم المرور أو تعطيله بشكل دوري في أحد أهم الممرات المائية في العالم. ومن غير المرجح كذلك أن تثق دول الخليج أو أسواق الشحن العالمية بشكل كامل بأي ترتيب يترك لطهران القدرة على إغلاق المضيق متى شاءت.

وبالتالي، فإننا نقترب من لحظة القرار الحاسمة؛ حيث يبرز سيناريوان محتملان:

فالسيناريو الأول يتضمن توقيع مذكرة تفاهم تؤدي لإعادة فتح جزئي للمضيق، وتدخل واشنطن في مفاوضات نووية طويلة الأمد، بينما تظل إيران متشددة في الملف النووي، وتستفيد في الوقت نفسه من استئناف الصادرات وتخفيف بعض العقوبات. وهذا السيناريو سيسمح لطهران أن تحتفظ بقدرتها على تهديد الملاحة الخليجية، بينما تتجه الدول العربية الخليجية نحو التكيف مع إيران بدافع الضرورات الاقتصادية، وتجد "إسرائيل" نفسها مقيدة بوضع غير مرضٍ في لبنان في الوقت الذي يستعيد فيه حزب الله عافيته. كما تستمر المفاوضات عبر تمديدات متكررة دون حسم، بينما ترتفع تدريجيًا كلفة العودة إلى الضغوط العسكرية، ويعيد النظام الإيراني ترسيخ سيطرته الداخلية ويستأنف إنتاج الصواريخ، بينما يتسع الانطباع بضعف الولايات المتحدة ليس فقط في الشرق الأوسط بل في شرق آسيا أيضًا.

أما السيناريو الثاني فيقوم على أن تحافظ الولايات المتحدة على الضغوط المفروضة على النظام الإيراني أو تزيدها، وأن تخلص إلى أن ضمان حرية الملاحة الدائمة في مضيق هرمز لا يمكن أن يتعايش مع القدرات الحالية لطهران. وقد تقرر واشنطن في نهاية المطاف أن استخدام القوة هو الخيار الأقل سوءًا بين البدائل المتاحة. وهذه الاستراتيجية لن تؤدي فقط إلى إعادة فتح المضيق، بل قد تُحدث تحولًا جذريًا في ميزان القوى في الشرق الأوسط من خلال تسريع انهيار النظام الإيراني أو تغييره بصورة جذرية.

وفي ظل مثل هذه الظروف، يمكن أن تستأنف "إسرائيل" عملياتها ضد حزب الله، بما قد يعيد تشكيل الواقع الاستراتيجي في لبنان أيضًا. وعلى نطاق أوسع، فإن النجاح في تفكيك التهديد الإيراني قد يعزز الردع الأمريكي عالميًا بصورة كبيرة، ويرسخ إرث "ترامب" بوصفه الرئيس الذي أنهى الحملة الممتدة لعقود التي قادتها الجمهورية الإسلامية لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وقد تحدد الأسابيع المقبلة إذا كانت الأزمة الحالية ستشكل بداية تحول استراتيجي حقيقي، أم ستكون مجرد هدنة جديدة تتيح لإيران البقاء والتعافي والعودة مجددًا إلى تهديد المنطقة.