المصدر: جيوبوليتيكال فيوتشرز
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
بمقاربة تاريخية بين المأزق الياباني عام 1941 والواقع الإيراني الراهن، غالبًا ما تكون الحروب الكبرى حتمية من منظور "النمذجة الجيوسياسية"، لكن مساراتها ونتائجها تظل رهينة "هندسة التفاصيل" الميدانية والاستخباراتية. وفي الحرب الحالية ضد إيران، التي تراهن فيها الولايات المتحدة على "ضربات الرأس" (باستهداف القيادات المدنية) ودعوات الحراك الشعبي، فإن الاستراتيجية الأمريكية تعكس سوء فهم بنيوي لطبيعة النظام الإيراني؛ إذ إن تدمير الواجهة المدنية لم يصب الدولة بالشلل، نظرًا لأن القوة التشغيلية الفعلية تتركز في يد "الحرس الثوري" الذي يتمتع باستقلالية اقتصادية وعسكرية واسعة، ويعتمد "نموذج الدفاع الموزاييكي" الذي يمنح القادة الإقليميين صلاحية التحرك الذاتي في حال انقطاع القيادة المركزية.
وفيما يخص الملاحة الدولية، فإن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز أو تقييد الحركة فيه قد خلق أزمة اقتصادية عالمية وتضخمًا متسارعًا، ما وضع إدارة "ترامب" أمام اختبار عسير لوعودها الانتخابية بتجنب "الحروب البرية اللانهائية". فالتفوق الجوي وحده لا يكفي لتأمين الممرات المائية ضد الطائرات المسيرة والمنظومات الدفاعية المموهة والمنتشرة على رقعة جغرافية واسعة، ما يجعل التدخل البري الواسع ضرورة تقنية وعسكرية لا غنى عنها لضمان أمن الملاحة، وهو خيار ينطوي على مخاطر سياسية وعسكرية باهظة قد لا تتحملها الإدارة الأمريكية الحالية.
وبالتالي، فقد دخلت الحرب مع إيران نفق "عدم اليقين الاستراتيجي"، خاصة مع بقاء "الجيش النظامي الإيراني"، بقوته الضاربة التي تتجاوز 400 ألف جندي، خارج معادلة الصراع النشطة حتى الآن، ما يجعله متغيرًا حاسمًا قد يقلب الموازين في أي لحظة.
والخلاصة، إن الجيوسياسة قد تتنبأ بوقوع الانفجار لكنها تعجز عن التنبؤ بكيفية إخماده؛ فالنصر في هذه المواجهة ليس رهينًا بتحطيم الهياكل الرسمية بل بالقدرة على مواجهة عدو يقاتل على أرضه المألوفة بتكتيكات غير متناظرة، ما يعيد طرح السؤال الكلاسيكي حول حدود القوة الجوية في حسم الصراعات ضد أعداء يمتلكون عمقًا جغرافيًا وعقائديًا صلبًا.