انتقل إلى المحتوى
صدارة للمعلومات والاستشاراترصد دقيق. معرفة أعمق.استكشف إصداراتنا

قراءة في تداعيات استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد الإيراني

الساعة : 13:17
28 أكتوبر 2026
قراءة في تداعيات استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد الإيراني

المصدر: فيتش سوليوشنز

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

تواجه إيران آفاقًا اقتصادية أكثر قتامة على المدى القريب في ظل استمرار الحرب مع الولايات المتحدة، وتصعيد واشنطن ضغوطها من خلال الحصار البحري وحملة العقوبات الواسعة؛ ففي إطار السيناريوهات المتوقعة لتطور الصراع يُرجح التوصل لاتفاق أولي لإعادة فتح مضيق هرمز خلال الربع الأول من عام 2027 (باحتمال 40%)، مقابل احتمال أقل للتوصل لاتفاق خلال الربع الرابع من عام 2026 (بنسبة 25%) أو خلال الربع الثاني من عام 2027 (بنسبة 5%). أما نسبة الاحتمال المتبقية البالغة 30% فتخصص لسيناريو العودة إلى صراع عسكري شديد قبل التوصل لاتفاق أولي، ما يعني أن احتمالات التصعيد على المدى القصير تفوق احتمالات التوصل لاتفاق.

على الصعيد الاقتصادي، سيؤدي استمرار الصراع إلى تفاقم الانكماش الاقتصادي الذي تواجهه إيران على المدى القريب وتأخير أي تعافٍ محتمل؛ إذ تُظهر أحدث البيانات أن الاقتصاد الإيراني انكمش بنسبة 10.1% على أساس سنوي خلال الربع الأول من السنة المالية 2026/2027 (من 21 مارس/ آذار إلى 20  يونيو/ حزيران)، بعدما أحدثت الضربات العسكرية الأمريكية و"الإسرائيلية" أضرارًا واسعة في مصافي النفط والبنية التحتية والمنشآت الصناعية.

وكان التراجع الحاد في استخراج النفط والغاز (بنسبة 26.4% على أساس سنوي) المحرك الرئيسي لهذا الانكماش، بينما انكمش القطاع غير النفطي بنسبة 4.6% على أساس سنوي، نتيجة الاضطرابات الواسعة المرتبطة بالصراع. ورغم أنه من المرجّح أن تشهد الأوضاع قدرًا من الاستقرار عقب الصدمة الأولى للحرب، لا سيما بعد الإعلان عن مذكرة تفاهم إسلام آباد في 17 يونيو/ حزيران الماضي، فإن استئناف الأعمال العدائية في يوليو/ تموز وما أعقبه من إطلاق الحملة الأمريكية "عملية المنبوذ اقتصاديًا" في 24  أغسطس/ آب، سيؤديان لمضاعفة الضغوط الاقتصادية على المدى القريب، والهدف منها عزل إيران بصورة كاملة عن التجارة الدولية والعمليات المصرفية العالمية. وفي 19 أغسطس/ آب أوقفت الإمارات، وهي أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران، جميع المعاملات التجارية والمالية مع طهران، ما أدى لتعميق عزلتها الاقتصادية.

نتيجةً لذلك، تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد الإيراني سيشهد انكماشًا أشد تبلغ نسبته 11% خلال السنة المالية 2026/2027 التي تنتهي في 20 مارس/ آذار 2027. كما تم تخفيض توقعات النمو خلال السنة المالية 2027/2028 من 4.5% إلى 3.6%؛ إذ يُرجّح أن تستمر الاضطرابات المرتبطة بالصراع خلال السنة المالية الجديدة، وإن كان توقيت التوصل لأي اتفاق جديد ومضمونه سيحددان في نهاية المطاف مسار الآفاق الاقتصادية.

استمرار تراجع الصادرات النفطية حتى عام 2027

من المتوقع أن يظل إنتاج النفط الإيراني وصادراته عند مستويات متدنية على المدى القريب، نتيجة الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، وهو ما يشكّل أحد العوامل الرئيسية وراء تدهور الآفاق الاقتصادية للبلاد خلال الفترة المقبلة. فقد انخفض الإنتاج النفطي بصورة حادة منذ اندلاع الصراع، وتسارعت وتيرة هذا التراجع منذ استئناف الأعمال العدائية في يوليو/ تموز 2026 وإعادة فرض الحصار الأمريكي.

ومن المتوقع استمرار هذا التراجع خلال الأشهر المقبلة على أن يظل تحقيق تعافٍ ملموس في الإنتاج النفطي مرهونًا بالتوصل لاتفاق جديد مع الولايات المتحدة، يتضمن رفع الحصار وتخفيف العقوبات الأوسع نطاقًا. ووفقًا لسيناريو الأساس لا يتوقع عودة الإنتاج النفطي إلى مستوياته السابقة للحرب قبل أواخر عام 2027، وهو ما سيحدّ من التعافي الأوسع لنمو الصادرات خلال السنة المالية القادمة.

ضغوط متزايدة على القطاعين النفطي وغير النفطي مع استمرار الصراع

سيؤدي الانخفاض الحاد في عائدات الصادرات النفطية، تزامنًا مع تشديد القيود على التجارة والتحويلات المالية نتيجة العقوبات الأمريكية، إلى تكثيف الضغوط على المالية العامة والتضخم وسعر صرف العملة في إيران، فضلًا عن تفاقم الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد غير النفطي. فقد سرّعت "عملية المنبوذ اقتصاديًا" من وتيرة تراجع الريال الإيراني الذي هبط بصورة حادة إلى مستويات قياسية قاربت 2.7  مليون ريال مقابل الدولار في السوق الموازية.

وأدى ذلك لاتساع الفجوة بين سعر الصرف في السوق الموازية وسعر الصرف الرسمي إلى نحو 50% بحلول أكتوبر/ تشرين الأول 2026، رغم أن سعر الصرف الرسمي كان قد خضع بالفعل لخفض في قيمة العملة تجاوز 200%  على أساس سنوي. وسينعكس هذا التدهور على معدلات التضخم التي بلغت 89.8% على أساس سنوي في سبتمبر/ أيلول، مع عودة وتيرة التضخم الشهرية إلى التسارع. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 84% خلال السنة المالية 2026/2027، ما سيؤدي لتآكل القدرة الشرائية للمستهلكين.

انفراجة محدودة في ظل غياب اتفاق سلام دائم

في الوقت نفسه سيؤدي تشديد القيود المفروضة على التجارة الإيرانية، بما يشمل شبكات النقل البحري والجوي والسكك الحديدية، لتفاقم مشكلات سلاسل الإمداد في القطاع الزراعي والقطاعات الصناعية غير النفطية. ويُتوقع أن تظل تكاليف الاستيراد المرتفعة ونقص المدخلات الأساسية للإنتاج وعدم استقرار إمدادات الكهرباء والمياه، عوامل تضغط على الإنتاج خلال الأرباع المقبلة وتحدّ من فرص التعافي. وسيؤدي تدهور النشاط التجاري والأعمال لتضخيم التداعيات غير المباشرة على سوق العمل، في وقت كان فيه معدل البطالة الرسمي قد ارتفع بالفعل إلى 9.1% بحلول يونيو/ حزيران 2026، مسجلًا أعلى مستوى له خلال أربع سنوات.

كما إن الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير المحلية، إلى جانب القيود المفروضة على الواردات، تؤدي لتفاقم نقص الوقود، ما يزيد الاضطرابات الاقتصادية والضغوط على الأسعار. وقد رفعت الحكومة أسعار البنزين للمستهلكين ذوي الاستهلاك المرتفع في سبتمبر/ أيلول 2026 بهدف الحد من الطلب وخفض فاتورة الاستيراد، ضمن مساعيها لتخفيف الضغوط على سوق الصرف الأجنبي. ومن المرجح أن تواصل الحكومة تنفيذ إجراءات تستهدف الحيلولة دون وقوع انهيار اقتصادي شامل، لكن القيود المفروضة على المالية العامة ستحدّ من قدرتها على دفع عجلة التعافي.

ووفقًا لتقارير إعلامية، فقد أعلن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، مؤخرًا تشكيل لجنة جديدة للسيطرة على التضخم ودعم الأسر الأكثر ضعفًا، رغم أن التفاصيل المحددة للخطة لم تُنشر بعد. وفي الوقت نفسه، أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، ضخ ما يصل إلى ملياري دولار أمريكي من النقد الأجنبي، في محاولة لتخفيف الضغوط على العملة، لكن الاستجابة الحكومية لهذه الأزمة تواجه خطر تقويض فعاليتها بسبب الانقسامات السياسية الداخلية وسوء الإدارة. فعلى سبيل المثال، استقال وزير النفط مؤخرًا وسط تقارير عن اختفاء عائدات تصل قيمتها إلى ملياري دولار، كانت مرتبطة بوسطاء أُنشئت شبكاتهم للتحايل على العقوبات الأمريكية وإعادة عائدات الصادرات إلى البلاد.

استمرار المخاطر السلبية

تجدر الإشارة إلى أنه حتى في حال التوصل لاتفاق أولي لإنهاء الصراع خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، فمن المرجّح أن يظل هذا الاتفاق هشًا وسط مخاطر مرتفعة لانهياره، نتيجة الإخفاقات المتكررة في تنفيذ بنوده أو تراجع أي من الطرفين عن الالتزامات التي تعهد بها. وإذا حدث ذلك، فسيؤدي لمزيد من تقويض أي تعافٍ اقتصادي ناشئ خلال السنة المالية القادمة، خصوصًا وأن تجدد حالة الضبابية سوف يُثني المستثمرين عن ضخ الاستثمارات التي يحتاج إليها الاقتصاد الإيراني بشدة.

علاوةً على ذلك، ما زال احتمال سيناريو تجدد التصعيد وتحوّله لصراع عسكري مرتفعًا نسبيًا (بنسبة تبلغ 30%)، ما سيسبب اضطرابات اقتصادية أعمق وأطول أمدًا. وإذا تحقق هذا السيناريو فسيؤدي لانكماش اقتصادي أشد خلال السنة المالية 2026/2027، وربما خلال النصف الأول من السنة المالية التالية أيضًا، فضلًا عن تأخير فرص تعافي الاقتصاد الإيراني بصورة كبيرة.