الضربات المحدودة ضد الحوثيين لن تقوّض قدراتهم وتردد الرياض سيفرض عليها تكاليف باهظة ويمنح طهران أوراق ضغط إضافية

الساعة : 14:15
24 سبتمبر 2026
الضربات المحدودة ضد الحوثيين لن تقوّض قدراتهم وتردد الرياض سيفرض عليها تكاليف باهظة ويمنح طهران أوراق ضغط إضافية

المصدر: موقع إيران إنترناشيونال

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

مع تزايد تقدم وهجمات الحوثيين اكتسبت إيران ورقة ضغط ضد السعودية؛ حيث تضع الهجمات أراضي المملكة ومسارات النفط تحت التهديد. إلا أن الرياض بدأت ترد بقوة أكبر، ما يثير مخاوف من أن تؤدي أفضلية إيران لرد فعل عسكري قد يضعف طهران في نهاية المطاف. فمن جانبها، تتبنى المملكة موقفًا عسكريًا أكثر صرامة بعد تعثر جهود نزع فتيل التوتر مع طهران؛ فقد كانت الرياض تسعى لخفض التصعيد خشية أن يؤدي توسع الصراع لتهديد الاستقرار الإقليمي الذي تعتمد عليه طموحاتها الاقتصادية. وقد تم تأجيل اجتماع كان مقررًا بين إيران ودول خليجية عدة لمناقشة ترتيبات خاصة بمضيق هرمز، بطلب من السعودية، في ظل تزايد استياء الرياض من الهجمات التي تشنها جماعات موالية لإيران، والذي يضعها أمام خيارات أحلاها مرّ. فالمملكة لا ترغب في خوض حرب شاملة في حين أن الحوثيين قد ينوون اختبار مدى قدرتها على الاستمرار في تجنب مثل هذه الحرب. لكن هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية وتقدمهم على طول ساحل اليمن على البحر الأحمر يجعل الحفاظ على ضبط النفس أمرًا صعبًا للغاية.

الحوثيون يخاطرون بالمبالغة في تقدير قوتهم

ما زال الوضع الميداني في اليمن متقلبًا؛ فقد استولى الحوثيون على المخا وذباب وجزيرة بريم ووسعوا نطاق سيطرتهم على طول ساحل اليمن، في حين أعادت القوات الحكومية المدعومة من السعودية تنظيم صفوفها وتعهدت باستعادة الأراضي التي فقدتها، وهذا يطرح تساؤلًا حول مدى استمرار المكاسب التي حققها الحوثيون. وفي حديث لموقع "إيران إنترناشيونال"، قال الدبلوماسي الأمريكي السابق، ألبرتو فرنانديز: "لقد قاتل الحوثيون السعوديين والميليشيات الموالية للسعودية لسنوات، كما إن لديهم تاريخًا من التوسع المفرط الذي يتجاوز قدراتهم". ورأى "فرنانديز" أن الحوثيين ربما بالغوا في تحركاتهم وتجاوزوا الحدود الآمنة لقوتهم، مضيفًا: "أعتقد أننا قد نشهد فقدانهم لبعض الأراضي التي سيطروا عليها". وأشار الدبلوماسي الأمريكي إلى أن الحوثيين "يتسمون بالغطرسة"، موضحًا: "نعم، تحركهم الأيديولوجيا؛ وعندما يكون المرء مدفوعًا بالأيديولوجيا ومتسمًا بالغطرسة، فإنه يميل أحيانًا إلى التوسع بما يفوق قدراته". لكن الحوثيين يراهنون أيضًا على تردد كل من السعودية والولايات المتحدة في الانخراط بشكل أعمق في الصراع.

في السياق ذاته، أشار "فرنانديز" إلى أن محاولة السعودية البقاء خارج النطاق الأوسع للحرب مع إيران قد "انقلبت عليها بالتأكيد". كما إن حالة الضبابية بشأن مدى قدرة المملكة على الاعتماد على حلفائها تزيد من تعقيد خياراتها. ووصف "فرنانديز" العلاقة بين واشنطن والرياض بأنها تزداد تعقيدًا؛ فقد شعر السعوديون بالمباغتة جراء إطلاق الولايات المتحدة للحرب ضد إيران، بينما شعرت واشنطن بالمقابل بعدم تلقيها الدعم الكافي من الرياض. وقد ازداد هذا التوتر وضوحًا مع سعي ولي العهد، محمد بن سلمان، للحصول على تحرك عسكري أمريكي مباشر ضد الحوثيين، وهو ما رفضه "ترامب" واقتصر دعم واشنطن على الجوانب الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.

وتمتد حالة الضبابية هذه أيضًا لتشمل "اتفاقية الدفاع المشترك في مكة"، بين كل من السعودية وتركيا وباكستان؛ حيث تنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح ضد أي من الدول الثلاث سيُعتبر هجومًا ضدها جميعًا. وقال "فرنانديز": "حتى الآن تبين أن الاتفاقية مجرد نمر من ورق"، مازحًا بأن هذا الترتيب يبدو وكأنه يتضمن بندًا مشابهًا لما يُعرف في عقود التأمين الصحي بـ"بند الحالات المرضية الموجودة مسبقًا" (الذي يستثني تغطية الأمراض السابقة للتعاقد).

السعودية تبحث عن بدائل للحصول على الدعم

في ظل تردد واشنطن تتجه السعودية للبحث عن الدعم في أماكن أخرى؛ فقد أفادت وكالة "بلومبرغ" بأن رئيس الوزراء البريطاني، آندي بورنهام، يدرس طلبات سعودية للحصول على دعم دبلوماسي وعسكري لمواجهة الحوثيين، وذلك في وقت تتزايد فيه مخاوف لندن بشأن التبعات الاقتصادية لاتساع رقعة الصراع المرتبط بالحرب مع إيران ليشمل جبهة جديدة. فقد أدى توسع الصراع إلى رفع مستوى المخاطر لتتجاوز حدود اليمن؛ حيث تضع المكاسب التي حققها الحوثيون على طول ساحل البحر الأحمر وفي محيط مضيق باب المندب، مقترنةً بالهجمات على البنية التحتية للطاقة في السعودية، ضغوطًا على مسارات التصدير المتجهة غربًا، والتي اكتسبت أهمية كبيرة في ظل استمرار القيود على حركة الشحن عبر مضيق هرمز.

كما زاد الهجوم الحوثي والاعتداءات على منشآت الطاقة السعودية من الضغوط على أسواق النفط التي تعاني أصلًا من توترات ناجمة عن الحرب مع إيران. وهنا قال "فرنانديز": "إن ذلك يدفع أسعار النفط للارتفاع قليلًا"، وأضاف: "بالنسبة لهم، يُعتبر كل ارتفاع في الأسعار بمقدار دولار واحد مكسباً للنظام، إذ يضع مزيدًا من الضغط على الأمريكيين والأوروبيين". وتكمن المفارقة بالنسبة لطهران في أنه كلما زاد حجم الاضطراب الناجم عن توسع الصراع، تعزز احتمال وجود حافز لدى الحكومات خارج المنطقة لمساعدة السعودية في احتواء هذا التهديد.

إيران ليست بحاجة للسيطرة على الحوثيين

بخصوص الدعم الإيراني للحوثيين، قال محمد فهمي، الصحفي والمحلل السياسي المختص بشؤون الشرق الأوسط، لموقع "إيران إنترناشيونال": "يكمن الخطر الاستراتيجي الأوسع في أن إيران لا تحتاج للسيطرة الكاملة على الحوثيين كي تستفيد من تحركاتهم"،مضيفًا: "كل ما تحتاجه هو أن تحتفظ الحركة بقدرات عسكرية كافية واستقلالية ودافع للضغط على الممرات البحرية الحيوية، بينما تحافظ طهران على مسافة فاصلة بينها وبين المواجهة". وحذّر "فهمي" من اختزال الحوثيين في مجرد وكيل لإيران؛ إذ وصفهم بأنهم "حركة ذات طابع قومي قوي ولديها أجندتها الداخلية ومصالحها المحلية المتجذرة". وأوضح فهمي قائلًا: "يتمثل أحد الأهداف الاستراتيجية للحوثيين في بسط السيطرة على ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر؛ حيث يمكنهم ممارسة نفوذ متزايد للتحكم فيمن يُسمح له بالعبور ومن لا يُسمح له بذلك"، وبالنسبة لطهران يمثل الحوثيون مصدرًا إضافيًا للضغط على خصومها دون الحاجة إلى تدخل عسكري إيراني مباشر.

وأشار فهمي إلى أنه رغم سنوات من القصف والضغط العسكري السعودي، خصوصًا على محافظة صعدة معقل الحوثيين والقلب الجغرافي لقوتهم، فقد صمدوا واحتفظوا بقدرات عسكرية كبيرة، "لذا، من غير المرجح أن تؤدي حملة ضربات محدودة لتقويض قدرتهم على تهديد حركة الملاحة أو استعراض قوتهم عبر البحر الأحمر". وهذا يضع السعودية أمام خيار صعب؛ فالاستمرار في ضبط النفس ينطوي على مخاطر السماح للحوثيين بفرض تكاليف باهظة على المملكة ومنح طهران أوراق ضغط إضافية. وبالمقابل، فإن أي حملة عسكرية جديدة تنطوي على مخاطر تدركها الرياض جيدًا، بعد أن فشلت سنوات من القتال في القضاء على الحركة.

والخلاصة أن إيران اكتسبت نفوذًا كبيرًا بوصول الحرب إلى الأراضي السعودية، لكن كلما زادت هجمات الحوثيين من الأعباء والتكاليف التي تتحملها الرياض، زاد الخطر من أن يؤدي نفوذ طهران هذا لرد فعل يؤدي في النهاية لتقويض ذلك النفوذ نفسه.