المصدر: مركز صوفان (The Soufan Center)
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
يواصل الصراع بين السعودية والحوثيين تصاعده مع تبادل الطرفين الهجمات والضربات الانتقامية، وسط تزايد احتمالات حدوث تصعيد إضافي خلال الأيام والأسابيع المقبلة؛ ففي ظل تبادل الهجمات خلال الأيام الأخيرة، جاء بعضها في ظرف بالغ الحساسية حين كانت المملكة تستضيف فعالية مرتبطة بمؤتمر البترول العالمي، ووفقًا لصحيفة "فايننشال تايمز" فقد انسحب رؤساء عدد من كبرى شركات الطاقة العالمية من المشاركة في الفعالية، من بينها "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"بي بي (BP)" و"شل" و"توتال إنرجيز".
يدرك الحوثيون أن استهداف المطارات يتيح لهم تصوير هجماتهم باعتبارها أعمالًا انتقامية ردًا على الحصار السعودي، وعلى الهجوم الذي شنّته الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض على مطار صنعاء منتصف يوليو/ تموز الماضي. لكن من ناحية أخرى، تسبب هذه الضربات إحراجًا سياسيًا كبيرًا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي يبدو أنه يواجه تحديات تتجاوز قدرته على إدارة هذا الصراع والسيطرة على مساره. فإلى جانب الخسائر البشرية الناجمة عن بعض الهجمات، تتكبد السعودية أضرارًا اقتصادية فضلًا عن تراجع صورتها وسمعتها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وتُعتبر المطارات من الأهداف الرخوة التي يسهل نسبيًا استهدافها بسبب طبيعتها المدنية وصعوبة توفير حماية عسكرية شاملة لها، لذلك لا يواجه الحوثيون صعوبة كبيرة في ضربها، في حين تؤدي هذه الهجمات لإحداث حالة واسعة من الفوضى والاضطراب تفرض على السلطات السعودية أعباء إضافية في التعامل مع تداعياتها. ومن خلال إظهار قدرتهم على تنفيذ ضربات دقيقة ضد المطارات، يسعى الحوثيون أيضًا للتأكيد على تطور قدراتهم العسكرية، وإيصال رسالة مفادها أن هذه القدرات يمكن توجيهها لاحقًا ضد محطات توليد الكهرباء ومنشآت تحلية المياه، أو غيرها من مرافق البنية التحتية ذات القيمة الاستراتيجية العالية بما فيها مراكز البيانات.
ولا تقتصر أهداف الحوثيين على ترهيب السلطات السعودية بل يأملون أيضًا أن تؤدي هذه الهجمات لإبعاد السياح وإثارة مخاوف المستثمرين، بما يجعل التداعيات الاقتصادية للصراع أكثر إيلامًا ووضوحًا بالنسبة إلى الرياض. فقد شنّ الحوثيون خلال الأشهر الأخيرة هجمات على خط أنابيب النفط السعودي "شرق–غرب"، وسيطروا على ميناء المخا ومنطقة ذوباب على الساحل اليمني للبحر الأحمر وعدد من الجزر ذات المواقع الاستراتيجية مثل جزيرة بريم. كما استهدف مسلحو الجماعة سفنًا سعودية كانت تحاول عبور مضيق باب المندب، ما زاد من حدة أزمة إمدادات الطاقة التي تواجهها المملكة. وقد أسهم التطور الملحوظ في كفاءة الحوثيين في استخدام الصواريخ المضادة للسفن والزوارق المسيّرة المفخخة في تحويل الجماعة إلى خصم بحري أكثر خطورة وقدرة على تهديد الملاحة.
في المقابل، تمتلك السعودية خيارات محدودة لا يخلو أي منها من المخاطر؛ فالتصعيد العسكري ينطوي على تكاليف مرتفعة ولا يقدّم مسارًا واضحًا أو سريعًا لإنهاء المواجهة، بينما سيؤدي الاستسلام لمطالب الحوثيين إلى إظهار المملكة بمظهر الضعيف وتشجيع إيران ووكلائها في المنطقة على مواصلة اعتداءاتها وتصعيدها. كما أثبتت سياسة احتواء الحوثيين وتقديم التنازلات لهم فشلها، بينما لم يحقق استخدام القوة العسكرية المباشرة أي نجاح كذلك.
ووفقًا لما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال"، يتنقل "بن سلمان" بين قصور مجهزة بملاجئ محصنة ويرافقه فريق أمني من النخبة يتولى حمايته وضمان سلامته. ومن غير المرجّح أن تعكس صورة الزعيم السعودي الذي يضطر للاختباء والتنقل بين مواقع محصنة مظهرًا من مظاهر القوة، كما إن محاولاته المتكررة للحصول على المساعدة الخارجية لا تسهم في تعزيز هذه الصورة؛ إذ يسعى للحصول على دعم حلفائه وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا إلى جانب باكستان وتركيا.
ومن المرجّح أن تتجه السعودية لتصعيد عملياتها العسكرية على المدى القصير، ربما بهدف إلحاق خسائر أكبر بالحوثيين وتعزيز أوراق الضغط التي تمتلكها قبل الدخول في أي محادثات أو مفاوضات محتملة في مرحلة لاحقة. أما الفرصة الأفضل للتوصل لتسوية تفاوضية فترتبط بإيجاد حل أوسع للحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران؛ ففي إطار مثل هذه التسوية سيتعين على طهران ممارسة ضغوط على الحوثيين لحملهم على تقليص هجماتهم.
وما زال من غير الواضح إذا كان "ترامب" سيتدخل لإنقاذ "بن سلمان"؛ فواشنطن لا تبدي حماسة لتوسيع نطاق الحرب أكثر مما هي عليه، كما إنها تواجه بالفعل قيودًا تتعلق بمخزون الصواريخ الاعتراضية والذخائر العسكرية. فتعليقًا على الهجمات الحوثية قال "ترامب" إن الجماعة "تتصرف بصورة سيئة للغاية"، لكنه لم يقدّم إلى جانب هذا التوبيخ أي مؤشرات واضحة بشأن استعداد واشنطن لدعم السعودية باستخدام القوة الجوية الأمريكية، بينما وجّه الحوثيون تهديدات إلى الولايات المتحدة وحذّروا "ترامب" من التدخل في الصراع.
من جهة أخرى، تكتسب البيئة السياسية الداخلية الأمريكية أهمية كبيرة في هذا السياق، لا سيما مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس واستمرار معارضة قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي للحرب ضد إيران. ومن المرجّح أيضًا أن تكون لدى "ترامب" شكوك بشأن قدرات "بن سلمان" بوصفه قائدًا أعلى للقوات المسلحة، وكذلك بشأن استعداد القوات السعودية للمضي قدمًا في مواجهة عسكرية مباشرة وحاسمة ضد الحوثيين. من جانبها، تعاني القوات التابعة للحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا من نقاط ضعف بنيوية، فضلًا عن الانقسامات الداخلية وتدني الروح المعنوية في صفوفها.
بالمقابل، يقاتل الحوثيون كما لو أنهم لا يملكون شيئا ليخسروه، وقد نجحت تكتيكاتهم القائمة على تحقيق مكاسب تدريجية ومتتابعة، أو ما يُعرف باستراتيجية "تقطيع شرائح السلامي"، في كشف افتقار الرياض إلى استراتيجية عسكرية متماسكة. وتقوم هذه الاستراتيجية على انتزاع مكاسب صغيرة بصورة متدرجة؛ بحيث لا تبدو كل خطوة منفردة كافية لاستدعاء رد حاسم، لكنها تؤدي في مجموعها إلى تغيير ميزان القوى لمصلحة الطرف الذي ينفذها.
علاوةً على ذلك، وكما كتبت الخبيرة في الشؤون اليمنية، ندوة الدوسري، مؤخرًا في موقع "Lawfare"، فإن الحوثيين "أنشؤوا منظومة واسعة للتعبئة الأيديولوجية والعسكرية" داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم في اليمن. وقد عزز نجاح الحوثيين في الصمود أمام حملات القصف التي شنّتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة و"إسرائيل" شعورًا متناميًا داخل الجماعة بأنها عصية على الهزيمة. ويحدث ذلك رغم تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وهو تصنيف لم يمنع إدارة "ترامب" من إجراء محادثات علنية معهم مع استمرار الصراع وامتداده.
ويظل الصراع الإقليمي الأوسع العامل الأساسي الذي يمكن أن يفضي لإنهاء المواجهة بين السعودية والحوثيين، غير أن هذا الصراع نفسه عرضة للتطورات غير المتوقعة والعوامل المفاجئة التي يصعب التنبؤ بها، بما في ذلك احتمال تنفيذ "إسرائيل" ضربات عسكرية جديدة قبل الانتخابات المقررة في وقت لاحق من الشهر الجاري.
ويزيد من تعقيد المشهد انخراط عدد كبير من الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية في الصراع، ما يجعل كثيرًا من المحللين غير واثقين بإمكانية التوصل لاتفاق في المستقبل القريب. وتتعزز هذه الشكوك خصوصًا في ظل اعتقاد إيران بأنها تمتلك أوراق ضغط مؤثرة على "ترامب"، وتفاخرها المستمر بقدرتها العالية على تحمل الخسائر والضغوط. وفي الوقت نفسه، قدّمت روسيا معلومات استخباراتية خاصة بتحديد الأهداف لاستخدامها في الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تتدفق من الصين دون عوائق تُذكر مكونات إلكترونية وصناعية مزدوجة الاستخدام تدخل في تصنيع الأسلحة الحوثية.
ولا تقتصر قدرة طهران على اتباع سياسة الصبر الاستراتيجي وانتظار الظروف الملائمة على النظام الإيراني وحده، بل إن القوى الوكيلة المرتبطة بها تستعد بدورها لخوض مواجهة طويلة الأمد. ففي خطوة اعتبرها كثيرون انتقاصًا من مكانة السعودية عرض الإيرانيون التوسط بين الحوثيين والرياض. وقد أصبح الحوثيون قادرين حاليًا على إنتاج أسلحة وذخائر محليًا، ما يقلّص اعتمادهم على الدعم الخارجي والمساعدات السخية التي تقدمها لهم الأطراف الأجنبية.
رغم ذلك، ما زالت الجماعة تعتمد على إيران في مجالات التدريب والخبرة الفنية والعسكرية، لا سيما فيما يتعلق بمنظومات التسليح الأكثر تطورًا بما فيها صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. كما أقرت شركة "أنثروبيك" المتخصصة في الذكاء الاصطناعي بأن الحوثيين استخدموا تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز مستوى التطور التقني لترسانتهم الصاروخية.