قراءة في تداعيات التصعيد في البحر الأحمر على المخاطر الاقتصادية والأمنية المباشرة على مصر

الساعة : 17:06
1 أكتوبر 2026
قراءة في تداعيات التصعيد في البحر الأحمر  على المخاطر الاقتصادية والأمنية المباشرة على مصر

المصدر: موقع ذانيو آرب

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

لقد أجبر الهجوم الحوثي في ​​البحر الأحمر مصر على السعي لحماية شريان اقتصادي حيوي مع تجنب الانخراط بشكل أعمق في صراع إقليمي؛ فبعد مرور سبعة أشهر على الحرب الأمريكية-"الإسرائيلية" ضد إيران، تجد مصر نفسها عرضة لضغوط صراع إقليمي واسع. وقد شكل الهجوم الأخير الذي شنه الحوثيون للسيطرة على مضيق باب المندب مخاطر جسيمة على القاهرة، التي تعاني بالفعل من التداعيات الاقتصادية للهجمات الحوثية على حركة الملاحة البحرية.

ففي أواخر عام 2023، حين استهدف الحوثيون السفن التجارية ردًا على حرب "إسرائيل" ضد غزة، أدت تلك الحملة إلى تراجع حاد في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس. ووفقًا لصندوق النقد الدولي، تسببت هذه الاضطرابات في انخفاض إيرادات قناة السويس المصرية بأكثر من ستة مليارات دولار عام 2024. ومنذ ذلك الحين شهدت حركة الملاحة في القناة بعض التعافي؛ حيث تجاوز عدد السفن العابرة 1200 سفينة في شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس، وكان الأخير الأكثر نشاطًا منذ كانون الأول/ ديسمبر 2023.

رغم ذلك، فإن استمرار الاضطرابات لفترة طويلة قد يقيّد مجددًا أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في مصر، كما إن تدهور الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر ستترتب عليه عواقب اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة النطاق على المنطقة بأسرها.

الحوثيون يسعون لتعظيم مكاسبهم في البحر الأحمر

يهدف الحوثيون بهجومهم على طول ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر، بما في ذلك الاستيلاء على مناطق ذات أهمية استراتيجية حول مدينة المخا وجزيرتي ميون (بريم) وحنيش، إلى ترسيخ مواقعهم حول مضيق باب المندب. وفي تصريح لموقع "العربي الجديد"، قالت ياسمين الإرياني، المديرة التنفيذية لبرنامج إنتاج المعرفة في "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية": "إنهم يدركون أن الاحتفاظ بالساحل لفترة طويلة قد يكون أمرًا صعبًا؛ لهذا يحاولون ترسيخ وجودهم من خلال تأمين المرتفعات المطلة على باب المندب وقطع الخطوط الاستراتيجية التي تربط بين عدن وتعز، ما سيعيق القدرة على إرسال تعزيزات عسكرية إلى المخا".

كما تعزز هذه الاستراتيجية توجهًا أوسع في الصراعات المعاصرة، هو تحويل الاعتماد المتبادل الاقتصادي إلى سلاح؛ فقد أظهرت الأشهر الأخيرة مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على عدد محدود من شبكات البنية التحتية الاستراتيجية والممرات البحرية الحيوية الضيقة (نقاط الاختناق البحرية). وقد خلقت حالة عدم التكافؤ هذه فرصًا للأطراف الأضعف تقليديًا لتحقيق مكاسب سياسية هائلة؛ فقد سلط استخدام إيران لمضيق هرمز الضوء على النفوذ الاستراتيجي الذي يمكن اكتسابه من خلال تحويل هذه الممرات البحرية الضيقة إلى أداة ضغط أو سلاح.

وينطبق هذا المنطق بشكل خاص على البحر الأحمر؛ حيث يراقب الحوثيون عن كثب التطورات المحيطة بمضيق هرمز، مع إدراكهم بأنهم ليسوا بحاجة للسيطرة المطلقة ودون منازع على الممر البحري بأكمله لفرض تكاليف حقيقية على حركة الشحن العالمية وأسواق الطاقة؛ فالقدرة على خلق حالة كافية من التوتر يمكن أن تتحول بحد ذاتها إلى أداة استراتيجية رئيسية.

في هذا السياق، قالت علياء إبراهيمي، الزميلة البارزة غير المقيمة في "المجلس الأطلسي"، لموقع "العربي الجديد": "لا يرغب الحوثيون حاليًا في خنق حركة الشحن بالكامل، بل يسعون للإبقاء على احتمال اتخاذ الأمور هذا المنحى في حال عدم تلبية مطالب معينة، وفي الوقت الراهن يصب في مصلحتهم أن يظل التهديد غير معلن بشكل صريح أو غامضًا". وتلقي احتمالات استمرار الاضطرابات لفترة طويلة بظلالها الثقيلة على الحسابات الاستراتيجية للقاهرة؛ فانسجامًا مع نهجها الحذر منذ بدء الحرب على إيران تعاملت مصر مع التصعيد الأخير بضبط نفس استراتيجي.

وردًا على موجة الهجمات الحوثية الأخيرة، شكلت القاهرة خلية أزمة متخصصة لمتابعة التطورات وكثفت جهودها الدبلوماسية الإقليمية. كما عكست زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى القاهرة منتصف أيلول/ سبتمبر استمرار التنسيق الثنائي الوثيق. وعلى الصعيد متعدد الأطراف، تواصل "الرباعية الإقليمية" (R4)، التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، نشاطها؛ حيث عقدت اجتماعها السادس على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. والتقى وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، بنظيره العماني مؤكدًا على تضامن مصر مع السعودية والتزام القاهرة بدعم جهود خفض التصعيد في المنطقة.

في السياق ذاته، صرح جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة "جَلف ستيت أناليتيكس"، لموقع "العربي الجديد" قائلًا: "لدى مصر الكثير لتخسره جراء أي تصعيد إضافي للأعمال العدائية الإقليمية، لا سيما في البحر الأحمر. ويشير هذا إلى أن القاهرة ستواصل على الأرجح لعب دور الوسيط إلى جانب أطراف إقليمية أخرى تشاركها المصالح ذاتها، بما في ذلك عُمان وباكستان وتركيا وقطر". ومع ذلك، لا يمكن فصل تزايد ثقة الحوثيين عن استراتيجية إيران الإقليمية الأوسع؛ ففي ظل التراجع الحاد في قدرات كل من حماس وحزب الله، أصبح الحوثيون أداةً حيوية تستخدمها طهران لممارسة الضغط واستعراض قوتها في أنحاء المنطقة.

ساحات صراع إقليمية مترابطة

يأتي هذا النهج الحوثي الذي يتسم بجرأة متزايدة تجاه مضيق باب المندب في توقيت استراتيجي هام، يسبق انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. وفي ظل تعثر مفاوضات السلام وتصاعد المخاوف من تجدد الأعمال العدائية، صرح الإرياني لـ"العربي الجديد" قائلًا: "لقد حدد الحوثيون لأنفسهم جدولًا زمنيًا ضيقًا لتنفيذ عملية باب المندب؛ لأن تحقيقها لنتائج مُثلى، سواء للحوثيين أو لإيران، كان يتطلب إتمامها قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وذلك ليتسنى استخدامها كورقة ضغط في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة".

وتُظهر هذه التطورات كيف يمكن استغلال ساحات صراع متعددة في آن واحد عبر جماعات حليفة، ما يترتب عليه تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة. وبعد أن كانت مصر بمنأى نسبيًا عن التداعيات المباشرة للصراع المرتبط بإيران، أصبحت تواجه الآن تحديات كبيرة بسبب تصاعد التوترات في البحر الأحمر؛ علمًا بأن القاهرة حرصت حتى الآن على تجنب عزل أي من الأطراف الإقليمية أو استعدائها.

ويتعزز هذا الحذر بفعل إرث التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، والذي أودى بحياة أكثر من عشرة آلاف جندي مصري، وأرسى تفضيلًا طويل الأمد للحلول الدبلوماسية والتنسيق الوثيق مع الشركاء الإقليميين بدلًا من التدخل العسكري المباشر. ومن المرجح أن تواصل مصر هذا النهج القائم على التنسيق مع الشركاء الإقليميين، وتقديم الدعم السياسي، وربما العسكري المحدود والموجه، كما فعلت سابقًا من خلال مشاركتها البحرية في عملية "عاصفة الحزم" عام 2015، وعبر عضويتها في التحالف البحري الدولي للدفاع الذي تقوده السعودية؛ وهو تحالف أُسس في وقت سابق من هذا العام لتعزيز الأمن البحري وحماية الملاحة الدولية ومسارات الطاقة في كل من البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. وفي هذا السياق، أشار "الإبراهيمي" إلى أن "الضغوط للتحرك تأتي من جهات عديدة، ويكمن الخطر الحقيقي في احتمال أن تجد مصر نفسها، دون قصد، عالقة في دوامة منطق التصعيد الذي يحكم الصراع بشكل عام".

حدود التحالفات الإقليمية

لقد مثلت هجمات الحوثيين على السعودية أول اختبار حقيقي لـ"اتفاقية الدفاع المشترك في مكة"، التي أُبرمت الشهر الماضي، وكشف هذا الاختبار عن التحديات المستمرة التي تواجه تفعيل أطر الدفاع الإقليمي المشترك.

ورغم أن الدول الموقعة قد أعلنت مواقفها وخطاباتها ردًا على هجمات الحوثيين، فإن مدى ترجمة ذلك إلى رد مشترك ومنسق يظل أمرًا غير محسوم بعد. فما زالت مصر خارج هذا الإطار، لكن هذا المشهد المعقد من المرجح أن يزيد من تعقيد دور القاهرة المحتمل في أطر الدفاع المشترك، لا سيما الاتفاقيات التي تحاكي "المادة الخامسة" وتفرض التزامات بالتدخل المباشر. كما إن أي قرار بالتدخل سيتطلب حذرًا شديدًا؛ حيث تتعامل القاهرة مع ملف البحر الأحمر من منظور مزدوج: باعتباره شريان حياة اقتصاديًا ومسرحًا استراتيجيًا تتقاطع فيه المصالح الإقليمية المتنافسة، وهذا يفرض قيودًا كبيرة على نطاق المشاركة المصرية المباشرة.

وبالتالي، فإن هذه المعطيات تضع مصر أمام خيارات محدودة؛ فمزيد من التصعيد في البحر الأحمر قد يعرض الاقتصاد المصري لمخاطر اقتصادية وأمنية مباشرة، في حين تظل تكاليف التدخل المباشر باهظة. وعليه، فمن المرجح أن تواصل القاهرة الاعتماد على قنواتها الدبلوماسية وشبكات تبادل المعلومات الاستخباراتية وقدراتها البحرية، مع مراقبة التطورات عن كثب. وفي نهاية المطاف، ستتشكل استراتيجية مصر بناءً على مدى توسع هجمات الحوثيين والصراع الأوسع المرتبط بإيران، ومدى تأثير هذا الصراع بشكل مباشر على المصالح الاستراتيجية المصرية.