المصدر: موقع إيران إنتيليجنس
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
مع انتهاء فترة الـ60 يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية في يونيو/ حزيران دون التوصل إلى اتفاق نهائي، تواجه واشنطن خيارات تتراوح بين تصعيد الضغوط أو تجديد الضربات الكبرى أو الدخول في حالة انتظار طويلة الأمد وغير مستقرة. فمن جهته، قال الرئيس "ترامب" إنه "لا توجد أي محادثات أو اتصالات جارية أو مقررة" مع إيران، وإن الحصار البحري الأمريكي ما زال ساريًا، بينما قال مسؤول في البيت الأبيض إن منشور "ترامب" على منصة "Truth Social" يعادل إعلانًا عن إلغاء المحادثات مع إيران في المستقبل المنظور.
لكن يبدو أن هذه الرسالة تتناقض مع تصريحات "كوشنر" الذي وصف الاتصالات مع أطراف مختلفة من الحكومة الإيرانية بأنها "قوية بصورة غير معتادة"، وتحدث عن "محادثات إيجابية ونشطة للغاية". في الوقت نفسه، نفى الحرس الثوري الإيراني ادعاء "ترامب" بأن مسؤولين أمريكيين كانوا يجرون محادثات عبر قنوات خلفية مع مسؤولين في الحرس الثوري. وتسلط هذه الروايات المتضاربة الضوء على حال الضبابية الأساسية بعد انتهاء مهلة الستين يومًا؛ إلى أي مدى يعكس الصدام الظاهر علنًا ما قد يجري بالفعل خلف الكواليس؟
وتشير مقابلات مع ثلاثة محللين ومسؤولين سابقين إلى أن انتهاء فترة الـ60 يومًا لا يضع واشنطن بالضرورة أمام خيار ثنائي بين شن هجوم كبير جديد أو الانسحاب من المواجهة. إذ يبرز احتمال ثالث وهو الدخول في حالة انتظار ممتدة شديدة الاضطراب، تقوم فيها واشنطن بتصعيد الضغط الاقتصادي والإبقاء على الحصار وتجنب العودة إلى الضربات المكثفة التي شهدها الصراع في مراحله السابقة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بخيار تجديد الضربات.
لا حرب ولا سلام
قال السفير الأمريكي السابق، جون كريغ، إنه يعتقد أن "ترامب" اقتنع، بناءً على مشورة مستشاريه العسكريين ومستشاري السياسة الخارجية، بأن القيام بمزيد من العمليات العسكرية الكبرى لن يؤدي بالضرورة إلى حل الصراع، لا سيما القضية النووية. وقال "كريغ": "أعتقد أن هذا الأمر سيستمر لفترة طويلة، ببساطة لأنه لا يبدو أن هناك بديلًا آخر"، مضيفًا أن الوضع القائم تواصل فيه الولايات المتحدة محاولاتها لضمان استمرار حركة السفن والنفط والسلع عبر مضيق هرمز، بينما تنفذ إيران هجمات محدودة واختبارات لقدراتها ضد أهداف إقليمية، وكل ذلك دون وجود عملية دبلوماسية حقيقية قادرة على التوصل إلى اتفاق. وأضاف "كريغ": "إذن، لا سلام.. ليست هناك مستويات مرتفعة جدًا من الهجمات والأعمال الحركية، لكن لا يوجد أيضًا اتفاق ولا عملية تفاوضية، والأهم من ذلك لا توجد عملية تهدف للتوصل إلى اتفاق".
بالمثل قال إيلان بيرمان، نائب الرئيس الأول في مجلس السياسة الخارجية الأمريكي، إن الوضع الحالي قد يستمر لفترة طويلة بعد انتهاء مهلة الستين يومًا، موضحاً أن أحد أسباب ذلك هو السياسة الداخلية الأمريكية. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي قد تكون فرصة محاولة التوصل لنهاية سريعة وحاسمة للصراع قد فاتت بالفعل، وبدلًا من ذلك قد تخلص واشنطن بصورة متزايدة إلى أن الوقت يعمل لصالحها. وأضاف "بيرمان" أن الدول الواقعة حول الخليج العربي وآسيا الوسطى ومناطق أخرى تستخدم هذه الفترة أيضًا لبناء البنية التحتية وممرات النقل البديلة، بهدف تقليل مواطن الضعف التي كشفها الصراع، لا سيما اعتماد التجارة العالمية على مضيق هرمز، وقال: "هذا ليس وضعًا جيدًا، لكن الوقت يعمل لصالح واشنطن وليس لصالح طهران".
هل يمكن للضغط الاقتصادي كسر الجمود؟
يعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل من ضغوط استثنائية، فبحسب مركز الإحصاء الإيراني بلغ معدل التضخم السنوي في إيران 66% في يوليو/ تموز الماضي، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 128% على أساس سنوي، الأمر الذي أدى إلى تآكل شديد في القوة الشرائية للأسر. وتتفاقم هذه الضغوط بسبب العقوبات والحصار البحري واضطراب تجارة الطاقة الإيرانية، واحتمال فرض جولة جديدة من الإجراءات الاقتصادية الأمريكية.
وبالنسبة إلى واشنطن، فإن هذا يثير الاحتمال بأن عامل الوقت نفسه، مقترنًا بتصاعد الضغط الاقتصادي، قد يحقق ما لا تحققه حملة عسكرية كبرى أخرى. فقد وصف "بيرمان" الأزمة الاقتصادية الإيرانية بأنها قد تكون "العامل التحويلي"، معتبرًا أن الخطر الذي يواجه الحكومة يتزايد مع فقدان الريال لقيمته وانهيار القوة الشرائية، وازدياد صعوبة حصول المواطنين على المواد الغذائية الأساسية، وقال: "هذا وضع غير قابل للاستدامة". لكنه حذر من أن التدهور الاقتصادي لا يؤدي تلقائيًا إلى اضطرابات سياسية؛ فطهران تستطيع تخفيف تأثيراته من خلال إجراءات تتعلق بالعملة وترتيبات تجارية وتدخلات اقتصادية أخرى. ويرى "بيرمان" أن ما تغير هو طبيعة القيادة التي تواجه هذه الضغوط، ووصف النظام الحالي بأنه أصبح أكثر صرامة وعسكرة، الأمر الذي قد يجعله أقل استعدادًا لإعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية الداخلية.
من جانبه، وصف كيسي باب، الزميل الأول ومدير البرامج في معهد ماكدونالد-لورييه، اللحظة الراهنة بأنها "حالة انتظار شديدة الغموض والهشاشة"، وقال إن واشنطن يمكن أن تجمع بين زيادة كبيرة في الضغط الاقتصادي وبين القدرات العسكرية التي اختارت حتى الآن عدم استخدامها بالكامل. لكن "باب" حذّر من أن الحرب الاقتصادية تحمل تبعات تتجاوز بكثير القيادة الإيرانية، وقال: "هناك أيضًا تكلفة إنسانية لذلك، فالإيرانيون الأبرياء سيعانون من ذلك أيضًا وهم يعانون بالفعل". وقال باب أيضًا إن الولايات المتحدة لا تريد بوضوح حربًا برية تقليدية مكلفة، في حين أن القيادة الإيرانية لم تُظهر مؤشرات تذكر على استعدادها لتقديم التنازلات التي تسعى إليها واشنطن، وأضاف: "سيتطلب الأمر شيئًا مهمًا للغاية على الأرجح، حتى يتصرف النظام بصورة مختلفة".
متى يبدأ إطلاق النار مجددًا؟
لم يشر أي من المحللين إلى أن الهدوء الحالي يعني أن المواجهة العسكرية قد انتهت، بل ذهب "بيرمان" إلى أبعد من ذلك قائلًا إنه يتوقع أن تتجدد الضربات الأمريكية ضد إيران، وقال: "السؤال بالنسبة إليّ ليس هل ستكون هناك ضربات مجددًا أم لا، لأنني أعتقد أنها ستكون". ويرى "بيرمان" أن السؤال الأهم هو إذا كانت الهجمات المستقبلية ستظل عمليات محدودة تهدف إلى استعادة الردع، وهو ما وصفه بـ"الضربات التحذيرية"، أم إنها ستتحول إلى بداية مرحلة كبرى أخرى من الحرب، واصفًا المواجهة بأنها معركة إرادات تتجه إلى الاستمرار لفترة متزايدة، في تناقض مع ما قال إن واشنطن كانت تتصوره في البداية باعتباره صراعًا أقصر، شبيهًا بحملتها في فنزويلا، وهذا يخلق خطرًا آخر.
وأوضح "بيرمان" أنه خلافًا لما كان عليه الوضع خلال الحرب الباردة، فإن واشنطن وطهران تفتقران لقنوات اتصال موثوقة مصممة خصيصًا لمنع المواجهات التكتيكية من التصعيد والتحول إلى شيء أكبر بكثير، وقد تكون النتيجة لا حربًا ولا سلامًا. وقارن "بيرمان" اللحظة الحالية بنهاية الفصل الثاني من مسرحية مؤلفة من ثلاثة فصول؛ أي المرحلة التي يتباطأ فيها سير الأحداث مؤقتًا قبل أن تتسارع وتيرتها من جديد.
لكن الهدوء الظاهر قد يكون خادعًا؛ فقد شدد "كريغ" على أن العمليات الاستخباراتية وتحديد الأهداف العسكرية والاستعدادات الأخرى قد تكون جارية بعيدًا عن الأنظار العامة، وقد تكون الاتصالات الدبلوماسية أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات العلنية المتضاربة الصادرة عن واشنطن وطهران، وقد يستمر الوضع القائم الظاهر لبعض الوقت. أما ما يجري تحته وما الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى كسره، فمن الصعب جداً معرفته.