الحدث:
أعلنت وزارة الخارجية السورية، عن توصّل سوريا وروسيا لتوقيع مذكرة تفاهُم بشأن مصير الوجود العسكري الروسي في سوريا؛ حيث تم الاتفاق على تحويل القواعد العسكرية الموجودة في الساحل إلى منشآت تدريب، على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني مثل مطار حميميم، والمواقع التجارية ضِمن مرفأ طرطوس وضِمنها الرصيف الرابع.
الرأي:
جاء الاتفاق تتويجًا لمسار تفاوضي بدأ منذ سقوط "نظام الأسد"، وقد عملت خلاله الحكومة الجديدة على استعادة منشآت لتحويلها للاستخدام المدني والتجاري في قاعدتي طرطوس وحميميم، بعد سحب روسيا لقواتها العسكرية مطلع عام 2026 من "قاعدة القامشلي" التي كانت في مناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) باتجاه مطار حميميم.
ويمثل الاتفاق مكسباً واضحاً بالنسبة إلى دمشق من دون كلفة القطيعة مع روسيا، فهو يعيد أصولاً اقتصادية ومرافق استراتيجية إلى سلطة الدولة، ويمنح الحكومة قدرة أكبر على تحديد طبيعة وحجم الوجود الأجنبي، لكنه يبقي موسكو شريكاً عسكرياً يمكن الاستفادة منه في التدريب والصيانة وإعادة بناء الجيش السوري. وهذه المقاربة تتسق مع اتجاه أوسع للقيادة السورية نحو تنويع علاقاتها بين تركيا والدول العربية والغرب وروسيا، بدلاً من الانتقال من اعتماد أحادي على موسكو إلى اعتماد أحادي على طرف آخر. لكنّ هذا التنويع يظل نسبيا؛ فتراجع الوضع الاستراتيجي لروسيا في شرق المتوسط مؤشر واضح على تموضع سوريا الجديد، الذي لم تعد فيه دمشق عضوا في محور النفوذ الروسي، بينما تضع أولويتها تجاه تطوير الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
أما بالنسبة إلى روسيا، فالنتيجة خسارة نسبية لكنّها واضحة. فحميميم وطرطوس كانتا من أهم أدوات موسكو لإسقاط القوة في المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا؛ وطرطوس هو مرفقها الوحيد للإصلاح والإمداد البحري في المتوسط، بينما استخدمت حميميم نقطة انطلاق للعمليات الروسية باتجاه المنطقة وأفريقيا. وبالتالي فإن قبول موسكو بالتخلي عن نموذج "القاعدة الروسية المستقلة" يعكس تغيراً حقيقياً في ميزان القوة بينها وبين دمشق بعد سقوط الأسد.
على صعيد آخر، تستمر حالة التراجع في التواجد الروسي بشكل مضاد لما كانت "إسرائيل" قد ضغطت على واشنطن لتحقيقه في سوريا، باعتبار ذلك التواجد يمثل ثقلاً موازناً للنفوذ التركي؛ خاصة مع الأخذ في الاعتبار بداية تطور علاقات سوريا مع باكستان بدعم تركي وسعودي.