تباين الردود على المبادرة الأمريكية للهدنة في السودان يرجّح بقاء المسار التفاوضي رهينة موازين الميدان

الساعة : 14:15
25 يوليو 2026
تباين الردود على المبادرة الأمريكية للهدنة في السودان يرجّح بقاء المسار التفاوضي رهينة موازين الميدان

الحدث:

كشفت وكالة رويترز، في 10 يوليو 2026، عن وثائق أكد مسؤولون سودانيون رفيعو المستوى صحتها، تُظهر أن الولايات المتحدة قدّمت مقترحًا يدعو طرفي الصراع إلى هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يومًا تتيح التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي بقيادة مدنية وصولًا إلى انتخابات عامة، على أن تنشأ آلية تقودها الأمم المتحدة لمراقبة التنفيذ والإشراف على انسحابات عسكرية محدودة، مع إعطاء الأولوية لولايتي شمال دارفور وشمال كردفان.

وجاءت ردود الطرفين متباعدة؛ إذ أبدت الحكومة التي يقودها الجيش قبولها لمعظم بنود المقترح، لكنها اعترضت على الاكتفاء بانسحابات محدودة، فيما سلّمت قوات الدعم السريع المبعوثَ الأمريكي مسعد بولس ردّها الرسمي متضمنًا الموافقة على هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، مع التمسك بعدم الانسحاب من مناطق سيطرتها، وطرح رؤية شاملة لإعادة هيكلة الدولة والمؤسستين العسكرية والأمنية.

الرأي:

يأتي هذا الحراك الدبلوماسي في سياق انسداد ميداني متبادل؛ فالجيش يراكم مكاسب في كردفان ويستثمر موجة الانشقاقات داخل الدعم السريع، بينما تتمسك الأخيرة بما تعتبره "مكاسب ميدانية ينبغي أن تُعالج وفق الواقع القائم لا العودة إلى ما قبل الحرب". وبهذا المعنى، لا يعكس التباين في الردود خلافًا تقنيًا حول جداول الانسحاب بقدر ما يعكس تصورين متناقضين لطبيعة التسوية ذاتها: تسوية استعادة الدولة من منظور الجيش، مقابل تسوية اقتسام الواقع من منظور الدعم السريع.

على مستوى الدوافع، يبدو أن كل طرف يوظّف المسار التفاوضي لتحسين موقعه لا لإنهاء الحرب فورًا؛ فقبول الجيش المشروط يحفظ له غطاءً دوليًا مع إبقاء خيار الحسم مفتوحًا، فيما تسعى قوات الدعم السريع عبر قبول الهدنة دون انسحاب إلى تجميد خطوط التماس وتثبيت أمر واقع يمنحها شرعية تفاوضية مستقبلية. كما تكشف نقطة الخلاف حول استبعاد المؤتمر الوطني ومن يسمّيهم المقترح "الجماعات المتطرفة"، مقابل إصرار الحكومة على محادثات داخل السودان تشمل جميع الفصائل، عن بُعد سياسي داخلي لا يقل تعقيدًا عن البعد العسكري.

إقليميًا ودوليًا، يشير الانخراط الأمريكي المباشر عبر المبعوث بولس إلى إعادة تموضع واشنطن في الملف السوداني بعد فترة من تراجع الأولوية، وهو ما قد يضغط تدريجيًا على الأطراف الإقليمية الداعمة للطرفين لضبط سقف انخراطها. غير أن تصريح مستشار الرئيس الأمريكي بأنه لا اتفاق بشأن هدنة أو خطة سلام حتى الآن يوحي بأن الوساطة ما تزال في طور جسّ النبض، وأن أدوات الضغط الفعلية لم تُستخدم بعد.

أما على صعيد الانعكاسات، فمن المرجح أن يدفع تعثر التوافق على بند الانسحاب كلا الطرفين إلى تكثيف العمليات في شمال كردفان وشمال دارفور تحديدًا، باعتبارهما الساحتين اللتين ستحددان قيمة أي تنازل تفاوضي لاحق؛ إذ إن من يدخل المفاوضات المقبلة بخريطة سيطرة أفضل سيفرض شروطه على صيغة الانسحابات.

في المحصلة، يعكس هذا التطور أن المسار التفاوضي بات قائمًا فعليًا لأول مرة منذ شهور، لكنه يظل في الأجل القريب رهينة موازين الميدان؛ ومن المرجح أن تشهد الأسابيع المقبلة مزاوجة بين تصعيد عسكري محسوب وجولات وساطة متقطعة، دون أن يُستبعد التوصل إلى هدنة إنسانية جزئية إذا نجحت واشنطن في فصل الملف الإنساني عن ملف الانسحابات المتنازع عليه.