إطلاق مصر والسعودية وتركيا وباكستان مجموعة "R4" قد يشكل "نواة نظام أمني إقليمي مستدام"

الساعة : 12:28
23 يوليو 2026
إطلاق مصر والسعودية وتركيا وباكستان مجموعة

المصدر: كرايسِز جروب

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

أطلقت كل من السعودية وباكستان ومصر وتركيا إطارًا تشاوريًا غير رسمي قد يمنح هذه الدول دورًا أكبر في صياغة مستقبل منطقة الخليج. ويتمثل التحدي الأول أمام هذه الخطوة في التأثير على نتائج الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" ضد إيران؛ فمع تجدد الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران قد يستحق أي إطار جديد لحماية السلام في المنطقة اهتمامًا أكبر. ويعكس ظهور "الرباعي الإقليمي"، أو "R4" كما يُطلق على المجموعة الناشئة، إدراكًا عميقًا لدى هذه الدول الأربع أن الأمن لم يعد مرهونًا بالتنافس بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وبين إيران من جهة أخرى. وقد توصل العديد من المسؤولين في هذه الدول إلى هذا الاستنتاج قبل الهجمات على إيران، لكن الحرب والرد الإيراني وإغلاق مضيق هرمز أعطى هذا الإطار زخمًا جديدًا.

لكن المفارقة الجديرة بالملاحظة هنا هي أن جميع الدول الأعضاء لا تتفق على الرؤية نفسها لمستقبل مجموعة دول "R4"؛ إذ يتحدث بعض مسؤولي المجموعة عنها باعتبارها نواةً غير رسمية لتكتل أوسع نطاقًا قائمٍ على قواعد تنطبق على الجميع، بدلًا من الهيمنة القسرية التي تمارسها أي قوة أو محور منفرد، بينما يتبنى آخرون إطارًا أكثر تواضعًا يُسهم في التنسيق على أساس كل حالة على حدة. لكن المجموعة على أي حال تستطيع إعادة تشكيل النظام الإقليمي ولو تدريجيًا، ويتمثل الاختبار الأول في قدرتها على المساهمة في التوصل لنتيجة مستقرة للحرب ضد إيران، ويعتمد نجاحها في مواجهة هذا التحدي على الإجابة عن الأسئلة التالية:

·       هل تستطيع مجموعة "R4" التوفيق بين تصورات أعضائها المختلفة للتهديدات؟

·       هل تستطيع هذه الدول الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن دون الوقوع فريسة لمطالبها؟

·     والأهم، هل تستطيع المجموعة التوصل لتفاهم مع إيران يُرضي دول الخليج، حتى لو تجاهلت التسوية الأمريكية الإيرانية النهائية مخاوفها؟

التحدي الأول، التأثير  على نتائج الحرب على إيران

فيما يتعلق بالتحدي المباشر الذي يواجهها والمتمثل في التأثير على نتيجة الحرب ضد إيران، ترتكز رؤية مجموعة "R4" على ما يعتبره أعضاؤها فجوة وظيفية في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وفجوة هيكلية في النظام الإقليمي. فرغم دور قطر وعُمان كوسيطين تخشى عواصم الخليج من فشل واشنطن وطهران في التوصل إلى "اتفاق شامل" يُعالج كافة مخاوفهم. وتشمل هذه المخاوف: إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل دون قيود، وفرض قيود على برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية؛ وإنهاء تدخل طهران في شؤونها الداخلية أو دعمها للجماعات المسلحة غير الحكومية. بدورها، تخشى دول الخليج من تصاعد الأعمال العدائية التي قد تُشعل دوامة أشدّ فتكًا من الردود الإيرانية الموجهة ضدها. وقد أكدت الأحداث بالفعل صحة هذه المخاوف؛ فمع انهيار مذكرة التفاهم استؤنف إطلاق النار.

من الناحية الهيكلية، أبرزت الحرب حقيقةً طالما أدركتها دول الخليج لكنها عجزت عن معالجتها، وهي أنها لا تستطيع الاعتماد كليًا على ضامنين أمنيين خارجيين أقوياء غالبًا ما تختلف أولوياتهم عن أولوياتها ولا تملك عليهم سوى نفوذ محدود. فالولايات المتحدة بما تملكه من قوة عسكرية وقدرات استخباراتية وإمكانية فرض عقوبات ما زالت شريكًا أساسيًا، ويُقرّ المسؤولون الخليجيون بضرورة الاعتماد على واشنطن (وفي حالة الإمارات، على التعاون العسكري مع "إسرائيل"). لكن الولايات المتحدة ما زالت تعاملهم كأطراف أضعف بحاجة إلى الحماية أو كوسيط محتمل أو كمضيفين لقواعدها العسكرية. أما إيران، فتنظر إليهم كأهداف سهلة المنال وقنوات محتملة للتواصل مع واشنطن، وبالنسبة لـ"إسرائيل" فمن النادر أن تأخذهم في الحسبان عند حساباتها العسكرية.

ويغيب عن كل هذا أي اعتبار جاد للمصالح الأمنية الجوهرية لدول الخليج، بل على العكس فإنها ترى أن تحركات الولايات المتحدة باسم الأمن قد تخدم أمن الأخيرة و"إسرائيل" وتأتي باستمرار على حساب المصالح الخليجية، بغض النظر عمن يشغل منصب الرئيس الأمريكي، ويشيرون في ذلك إلى أمثلة عديدة من أبرزها:

·     عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 ألقت السعودية باللوم على واشنطن لتسليمها البلاد لإيران،

·     وعندما أبرمت إدارة "أوباما" اتفاقًا نوويًا مع إيران عام 2015 فشلت في إشراك شركائها الإقليميين أو مراعاة مصالحهم،

·     لم ترد إدارة "ترامب" الأولى على الهجمات المدعومة من إيران على منشآت النفط السعودية عام 2019،

·     وخلال عامين من الحرب على غزة (2023-2025) رفضت الولايات المتحدة مناشدات دول الخليج لحث "إسرائيل" على وقف إطلاق النار حتى وصلت حربها على غزة إلى قطر في أيلول/ سبتمبر 2025.

وفي الحرب الأخيرة مع إيران التي تعرضت خلالها دول الخليج لقصف صاروخي، ركزت الولايات المتحدة في تدريب أنظمة دفاعها الجوي على المقذوفات المتجهة نحو أهداف أمريكية و"إسرائيلية"، وتجاهلت كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة طلبات دول الخليج بالامتناع عن مهاجمة البنية التحتية الحيوية لإيران خشية رد إيران بالمثل. ويُعتبر البند الوارد في مذكرة التفاهم الذي ينص على إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لمساعدة إيران على التعافي، مثالًا على اعتقاد دول الخليج بأن الالتزامات المالية تُقدم باسمها (ضمنيًا على الأقل) دون موافقتها أو مشاركتها المباشرة.

كما خلصت دول الخليج إلى أن استثماراتها في التقارب مع إيران خلال السنوات الثلاث الماضية بلغت أقصى ما يمكن تحقيقه؛ فبينما كانت تدرك تمامًا احتمال قيام إيران بضرب مواقع عسكرية أمريكية على أراضيها، فقد فوجئت بحجم الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية وأهدافها. وبالتالي، أدت الحرب إلى تراجع القيمة المتصورة للحوار الدبلوماسي، وفي الوقت نفسه أثبتت صحة موقف من دعوا إلى تبني موقف أكثر تشددًا.

إن تشكيل مجموعة "R4" قد يُسهم في تغيير هذا الواقع، لكن هذه المجموعة لن تحُل محل الدبلوماسية الثنائية مع إيران، ولن تُقلل بشكلٍ ملموس من اعتماد دول الخليج على المظلة الأمنية الأمريكية، ولن تُغني عن النفوذ الاقتصادي الذي توفره العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. كما يدرك المسؤولون في الخليج أن دولهم ستكون على الأرجح أهدافًا إيرانية مرة أخرى كلما اندلعت أعمال عدائية. مع ذلك، يُمكن لأعضاء هذه المجموعة توفير قدر من القوة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية الجماعية التي لا يمتلكها أي منهم أو أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي على حدة؛ فقد نشرت باكستان ومصر بالفعل قوات في دول الخليج، في إشارة حذرة إلى كل من هذه الدول وإيران مفادها استعدادهم للاستثمار في بنية أمنية أكثر تجذرًا إقليميًا وذات توجه ردعي.

إضافةً لذلك ومع استمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، يُمكن أن تُقدم دول "R4" حوافز اقتصادية ودبلوماسية قد تجدها إيران أكثر جدوى من تلك التي تُقدمها دول الخليج منفردة. وبافتراض تخفيف العقوبات الأمريكية اللازمة، فإن مثل هذا الإطار سيمكّنهم من تقاسم المخاطر السياسية والاقتصادية المترتبة على الانخراط الاقتصادي مع إيران وتعزيز فوائده، على نحو يُشبه لحد ما نموذج الاستثمار متعدد الأطراف وتقاسم المخاطر الذي تتبناه دول المنطقة في سوريا.

ونظرًا لثقلهم المشترك وتوافقهم الواسع على الحوار مع إيران، قد تُسهم دول هذه المجموعة أيضًا في تهدئة الأصوات الأكثر تشددًا على جانبي الخليج وخارجه، وفي واشنطن والعواصم الأوروبية كذلك. وإذا اتسعت عضوية المجموعة فستتمكن من تمثيل مصالح دول الخليج بشكل أفضل عند التعامل مع واشنطن وطهران وبكين وموسكو والعديد من العواصم الأوروبية؛ فقد أشارت دول المجموعة إلى هذا الاتجاه عندما أشادت في بيانها المشترك الأول عقب اجتماع يونيو/ حزيران في القاهرة "بالجهود المبذولة" لإبرام مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدت "على ضرورة أن تراعي هذه الجهود مخاوف دول المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بأمن واستقرار دول الخليج ومنطقة بلاد الشام كذلك".

المسار المستقبلي

لن تكون أي من المهام التي تنتظر دول المجموعة الأربع سهلة؛ ففي حال تشكيلها سيستغرق ترسيخ المجموعة كآلية إقليمية وقتًا كما يُقرّ أعضاؤها بذلك، وسيتطلب إدارة مستمرة للخلافات الداخلية. وسيتعين على إيران ودول إقليمية أخرى والولايات المتحدة قبول المجموعة كمنصة غير رسمية للتنسيق الإقليمي، أو على الأقل عدم السعي لتقويضها، وربما تُمثّل المفاوضات الإقليمية المُحتملة مع إيران الاختبار الأول والأكثر إلحاحًا لهذه الإمكانية.

وبما أن مصر وباكستان وتركيا غير مستعدة لعزل التهديد الإيراني كما تفعل السعودية وعدد من دول الخليج الأخرى، فقد يكون أحد الحلول أن تقترح المجموعة حوارًا أمنيًا إقليميًا لا يتناول سلوك طهران بمعزل عن غيره؛ بل يمكن اعتبار دعم إيران للوكلاء جزءًا من خلل بنيوي يشمل التوسع "الإسرائيلي"، والذي أدى لتنافس ضار بين الدول الأربع نفسها، وإلى ظهور دول فاشلة ونزاعات متكررة، وجعل جزءًا كبيرًا من المنطقة يعتمد اعتمادًا مفرطًا على الضمانات الأمنية الأمريكية الهشة. والهدف المنشود هو بنية أمنية إقليمية تمتنع فيها جميع الدول عن تمويل وتسليح الميليشيات، والتدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض واستخدام القوة لفرض أجندتها، والترويج لانهيار الدول أو تمكين الهجمات على جيرانها؛ بعبارة أخرى: معيار ينطبق بالتساوي على الجميع.

بالمثل، من المرجح أن يُنظر إلى مجموعة "R4" على أنها محاور فعال مع إيران إذا استطاعت كسب دعم أوسع من دول الخليج الأخرى. ورغم أن السعودية هي القوة المركزية في الخليج فستكون في وضع أقوى إذا نسقت بشكل وثيق مع أعضاء مجلس التعاون الخليجي، لكن إذا قاومت الأخيرة منح الرياض هذا الدور مفضلةً الاستمرار في عقد صفقات ثنائية مع إيران فإنها تخاطر بتعميق الانقسامات داخل مجلس التعاون وتقويض فعالية الدبلوماسية الإقليمية. وهنا يمكن للسعودية الاستفادة من العلاقات المصرية مع دول الخليج الأخرى، خصوصًا مع قطر، لبناء توافق في الآراء حول رؤية مشتركة.

ورغم أن الدول الأربع جميعها شركاء عسكريون للولايات المتحدة، وستبقى كذلك، فإن ترتيباتها مع واشنطن تختلف اختلافًا كبيرًا؛ فتركيا ومصر وباكستان تعتمد أساسًا على جيوشها للدفاع عن أراضيها الوطنية عند الضرورة وشن عمليات في جوارها المباشر، وتميل إلى تفضيل بنية أمنية متجذرة في القدرات الإقليمية وتصورات التهديدات، وبالتالي تعد أقل اعتمادًا على القرارات الأمريكية بشأن الحرب والسلام. أما تركيا، فرغم كونها عضوًا في "الناتو"، فقد كانت واضحة بشأن الحاجة إلى بنية منفصلة متجذرة كليًا على المستوى الإقليمي بدلًا من الاعتماد على أي جهة خارجية. ويختلف تاريخ المملكة ودول الخليج الأخرى؛ فهي تميل إلى الاعتماد بشكل أكبر على الولايات المتحدة (التي قدمت ضمانات أمنية وإن لم تكن ضمانات ملزمة قانونًا)، فضلًا عن شراكات مع قوى خارجية أخرى.

وقد تجلى هذا الاختلاف في مواقف مختلفة؛ ففي أعوام 1991 و2005 ثم في عام 2015 رفضت السعودية ودول خليجية أخرى مقترحات مصرية بشأن ترتيبات دفاعية وأمنية عربية مشتركة، كما انسحبت مصر من المفاوضات التي تدعمها السعودية عام 2019، بهدف تشكيل تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط بقيادة الولايات المتحدة. ويعود ذلك جزئيًا إلى مخاوفها من أن يؤدي هذا التحالف لجرّ القاهرة إلى مواجهة مع إيران وإجبارها على توطيد علاقاتها العسكرية مع "إسرائيل".

على نطاق أوسع، فإنّ ترتيبات التمركز والتواصل الواسعة لدول الخليج مع واشنطن تعني أنها ستتورّط على الأرجح في أي مواجهة عسكرية أمريكية أو ربما "إسرائيلية"، مع إيران. وقد تُشكّل هذه الروابط مع الولايات المتحدة مصدر توتر مع أعضاء مجموعة الدول الأربع، كما تجلّى خلال الحرب الأخيرة. فرغم إدانة باكستان ومصر للهجمات الإيرانية على دول الخليج ونشرهما قوات فيها وتركيز جهودهما في الوساطة على إقناع إيران بكبح جماحها والتنسيق مع السعودية، فقد كانت بعض دول الخليج الأخرى تتوقع بوضوح دعمًا سياسيًا وعسكريًا أكبر. ولا بدّ من إدارة هذه الفجوات لكي ينضج هذا الإطار، وربما يتوسع ليشمل دولًا خليجية أخرى يرتبط أمنها ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة و"إسرائيل"، وتحديدًا الإمارات والبحرين.

وبالتالي، لا يمكن تجاهل هذه التحديات وغيرها من التحديات الجسيمة التي تواجه إرساء ترتيبات أمنية إقليمية، لكن مع اهتزاز تصورات دول الخليج حول فعالية واستدامة الردع الأمريكي خلال الحرب الأخيرة، بدأت تتشكل أو تظهر ملامح نظام أمني تكميلي أكثر دفاعية وتجذرًا إقليميًا. وتشمل هذه العناصر القاعدة التركية الجديدة في قطر، والانتشار الدفاعي المصري والباكستاني في السعودية والإمارات وقطر والكويت، وردود فعل عسكرية سعودية وإماراتية داخل العراق وإيران؛ فضلًا عن رفض السعودية والكويت طلبات الولايات المتحدة باستخدام أراضيها ومجالها الجوي، لتوفير الحماية لقوات عملية "مشروع الحرية" لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة.

في الوقت الراهن، ما زال منتدى "R4" استشاريًا غير رسمي؛ ففي بيانهم المشترك الأول وصف أعضاؤه أنفسهم بأنهم "منصة مهمة للحوار المنظم والتشاور الاستراتيجي وتنسيق السياسات بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك". وتخفي لغة البيان العامة وجهات نظر متباينة بشأن المستقبل؛ فبعض الأعضاء يشككون في إمكانية تطور المنتدى إلى تكتل أكثر رسمية، بينما اقترح آخرون أن يشكل الأعضاء فرق عمل ويعقدوا اجتماعات دورية، وصولًا إلى مستوى رؤساء الدول، وحتى الآن لم يدعُ علنًا إلى جعل مجموعة "R4" مؤسسةً رسميةً سوى الرئيس المصري.

ويبقى السؤال: هل نرى هذه المجموعة نواةً لنظام أمني إقليمي مستدام، يمنح دول الشرق الأوسط والدول المجاورة دورًا محوريًا في تشكيل البيئة التي تُحكم أمنها، ويُسهم دورها في صنع السلام بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران وفي إدارة تداعيات الحرب الأخيرة ؟