الحدث
كشفت شبكة CNN في 18 يوليو/تموز 2026، استناداً إلى أربعة مصادر ومراجعة لمسودة الاتفاق، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب صاغت اتفاقاً للتعاون النووي المدني مع السعودية يتيح للمملكة قدراً من تخصيب اليورانيوم محلياً، من دون إلزامها بتطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مستبدلةً به ترتيب ضمانات ثنائياً أمريكياً–سعودياً. وفي تطور لاحق، أفادت وكالة رويترز في 21 الجاري بأن الإدارة تعتزم خلال أيام إحالة الاتفاق إلى الكونغرس، على أن يوقّعه وزير الطاقة الأمريكي، ما ينقل الملف إلى مرحلة المراجعة التشريعية الإلزامية التي تمتد تسعين يوماً. أما تأخّر توقيعه فيُعزى، بحسبCNN، إلى حرج التزامن مع الحرب على إيران التي بُرّرت أساساً بوقف التخصيب الإيراني، وإلى خشية البيت الأبيض من مقاومة عابرة للحزبين في الكونغرس قد تُجهض الاتفاق بقرار مشترك.
الرأي
يأتي الاتفاق، المعروف بإطار "اتفاقية 123"، تتويجاً لمسار بدأ بــ"الإعلان المشترك حول اكتمال مفاوضات التعاون النووي المدني" الموقّع خلال زيارة ولي العهد السعودي لواشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بعد انتهاء المفاوضات في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه. واللافت أن الاتفاق، بصيغته المتداولة، يُسقط الشروط الثلاثة المعروفة بـ"المعيار الذهبي" الذي طبّقته واشنطن مع الإمارات عام 2009، والتي تشمل التخلي عن التخصيب، وإعادة المعالجة، وقبول الرقابة الموسّعة للوكالة عبر البروتوكول الإضافي.
ويمثّل الاتفاق، إذا أُقرّ بصيغته المتداولة، تحوّلاً جوهرياً في السياسة الأمريكية الأمنية من منع انتشار القدرات النووية الحساسة بصورة مطلقة إلى قبول ترتيبات خاصة مع الحلفاء، وهو تحوّل قد لا يقتصر مستقبلا على السعودية، بل يؤسّس لبيئة إقليمية قد تضعف فيها مركزية الوكالة الدولية وتحوّل الاستخدام السلمي للطاقة النووية إلى مجال جديد للمنافسة الأمنية الاستراتيجية، خاصة من قبل تركيا ومصر وحتى الإمارات.
ومع هذا لا يجب فهم الاتفاق بأنه يتجاهل الرقابة، فالأدق أنه يستبدلها، حيث يستعيض عن الرقابة الأممية التي يمثلها المعيار الذهبي، بترتيب ثنائي تزعم الإدارة أنه يضيف تدابير تحقّق في أكثر المجالات حساسية (التخصيب والتحويل وتصنيع الوقود وإعادة المعالجة) لكن دون الصلاحيات التي يمنحها البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية، وعلى رأسها التفتيش المفاجئ للمواقع غير المعلنة. وتتمثل المخاوف الأمنية في هذه الحالة في أن ترتيباً ثنائياً، مهما بدا صارماً على الورق، يفتقر إلى شرعية التحقّق المتعدد الأطراف وإلى قابليته للتعميم، ويجعل مصداقية المنظومة رهينة تقدير سياسي أمريكي متغيّر.
وعلى الرغم من أن الاتفاق لا يعني أن السعودية قرّرت إنتاج سلاح نووي، أو أن واشنطن سوف تقبل ذلك، لكنه قد يمنحها تدريجياً قدرة نووية كامنة تتمثل في امتلاك البنية التحتية والخبرات والمواد التي تقلّص الزمن اللازم للانتقال إلى الخيار العسكري عند وقوع تهديد استثنائي. وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ضوء ربط ولي العهد السعودي سابقاً موقف المملكة النووي بمصير البرنامج الإيراني. أي أن الاتفاق قد يؤدي إلى بيئة "انتشار نووي كامن" تحتفظ فيها عدة دول بقدرة الاقتراب من السلاح من دون تصنيعه، وهو وضع يضاعف مخاطر سوء التقدير ويكرّس من المعضلة الأمنية التقليدية بين دول المنطقة. وربما يشير تردد الإدارة في التوقيع حتى الآن إلى تزامنه مع الحرب على إيرا ن والتي تشن بذريعة الوصول إلى تخصيب صفري كخط أحمر، وبذلك قد يتحوّل الملف السعودي إلى عامل إضعاف مباشر للموقف التفاوضي الأمريكي مع إيران.