المصدر: كرايسِز جروب
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
تشهد البيئة الدولية تراجعًا في هيمنة القوى الكبرى والمؤسسات متعددة الأطراف على جهود صنع السلام، مقابل تصاعد دور القوى المتوسطة وفي مقدمتها تركيا التي تستخدم الوساطة كأداة لإدارة النزاعات وتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي. في هذا السياق، فإن التوترات المتراكمة مع الحلفاء الغربيين بدءًا من حرب العراق ومرورًا بالأزمة السورية ومحاولة الانقلاب عام 2016، وصولًا إلى الخلافات حول منظومة "إس-400" وتوسيع حلف "الناتو"، قد دفعت أنقرة إلى تبني سياسة تقوم على الاستقلال الاستراتيجي؛ أي الحفاظ على عضويتها في "الناتو" مع تنويع شراكاتها والإبقاء على قنوات اتصال مع خصومه، وعلى رأسهم روسيا وإيران. وقد أصبحت الوساطة جزءًا أساسيًا من هذه المقاربة إلى جانب القوة العسكرية وصناعة الدفاع والدبلوماسية النشطة.
تعاظم دور الوساطة
تمارس تركيا الوساطة منذ عقود لكن أهميتها تعاظمت مع وصول "حزب العدالة والتنمية" إلى السلطة عام 2002؛ حيث استخدمها لإدارة التهديدات الإقليمية وتوسيع النفوذ التركي. وشملت تلك الجهود التوسط بين سوريا و"إسرائيل"، وبين الفصائل العراقية، والمساهمة في جهود المصالحة الفلسطينية، ثم توسعت لاحقًا إلى البلقان والفلبين والملف النووي الإيراني. وقد اتسمت هذه المرحلة بمبدأ "صفر مشاكل مع الجيران" الذي سعى إلى تقديم تركيا كوسيط محايد.
لكن مع اندلاع ثورات الربيع العربي تغيّر هذا النهج؛ إذ انحازت أنقرة إلى بعض أطراف الصراعات، ما أضعف صورتها كوسيط محايد، بينما دفعتها التحديات الأمنية بين عامي 2015 و2020 إلى الاعتماد بصورة أكبر على القوة العسكرية، خصوصًا في سوريا وليبيا. ومنذ عام 2020 عادت تركيا إلى تنشيط دبلوماسيتها عبر مسارات التطبيع مع عدد من دول المنطقة، كما لعبت دورًا بارزًا في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وأنشأت عام 2024 إدارة متخصصة للوساطة الدولية. ومع ذلك، بقيت الوساطة مرتبطة بأهداف السياسة الخارجية التركية الأوسع، بما يشمل توسيع النفوذ العسكري والاقتصادي.
مرتكزات الوساطة التركية
ترتكز الوساطة التركية على مزيج من الحياد التقليدي واستخدام النفوذ السياسي والعسكري بما يخدم أهدافها الاستراتيجية، ويقوم هذا النهج على عدد من السمات الرئيسية:
1- استخدام القوة العسكرية كوسيلة ضغط
ترى أنقرة أن امتلاك النفوذ العسكري يعزز قدرتها على فرض حلول تفاوضية، وهو ما يلخصه شعارها: "قوية في الميدان، قوية على طاولة المفاوضات"؛ ففي ليبيا ساهم تدخلها العسكري في تغيير ميزان القوى ودفع الأطراف إلى التفاوض، كما لعبت دورًا في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد الحرب. وفي سوريا أدى انتشار القوات التركية عام 2020 إلى تعديل الحسابات الروسية، بما أتاح التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي استمر حتى سقوط نظام "الأسد" أواخر عام 2024.
2- تعزيز النفوذ عبر السلاح والعلاقات الاقتصادية
تستخدم تركيا صادراتها الدفاعية وشراكاتها الاقتصادية لبناء علاقات تمنحها نفوذًا سياسيًا يمكن توظيفه في الوساطة. ويتضح ذلك في القرن الأفريقي؛ حيث استثمرت علاقاتها مع الصومال وإثيوبيا للتوسط بينهما، كما عززت حضورها من خلال المساعدات الإنسانية والاستثمارات. لكن تعمق شراكتها مع مقديشو أثار شكوك أرض الصومال بشأن حيادها، ما حدّ من قدرتها على تحقيق تسوية سياسية دائمة.
3- أهداف عملية (براجماتية)
تركز الوساطة التركية على تحقيق نتائج واقعية وتدريجية؛ مثل وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وتأمين المساعدات الإنسانية، بدلًا من السعي إلى تسويات شاملة قد تستغرق سنوات. وقد تجسَّد ذلك في دورها خلال الحرب الروسية الأوكرانية، سواء عبر اتفاق تصدير الحبوب في البحر الأسود الذي ساهم في استقرار أسواق الغذاء، أو من خلال تسهيل عمليات تبادل الأسرى وفتح قنوات اتصال بين موسكو وكييف.
4- دور محوري لأجهزة الاستخبارات
يضطلع جهاز الاستخبارات التركي بدور رئيسي في الوساطات الحساسة، مستفيدًا من علاقاته مع الحكومات والجماعات المسلحة، بما يتيح إجراء اتصالات يصعب على القنوات الدبلوماسية التقليدية القيام بها. وقد برز هذا الدور بوضوح في عملية تبادل الأسرى الكبرى بين الشرق والغرب عام 2024، التي شملت 26 شخصًا من سبع دول.
5- الاستعداد للتعامل مع جميع الأطراف
تتميز الوساطة التركية بالحفاظ على الحوار مع مختلف الأطراف، حتى المتنافسة معها أو المنبوذة دوليًا؛ فقد نجحت أنقرة في الفصل بين مجالات الصراع والتعاون مع روسيا، كما استفادت من علاقاتها مع حماس وطالبان وغيرها لدعم جهود الوساطة عندما تعذر على أطراف أخرى القيام بذلك. كما تبتعد الدبلوماسية التركية عن الخطاب المرتبط بحقوق الإنسان والديمقراطية، وتركز بدلًا من ذلك على أهداف عملية مثل خفض العنف وحماية المدنيين واستعادة الاستقرار.
وعود وقيود النهج التركي
يعكس تصاعد الدور التركي تحولًا أوسع في طبيعة الوساطة الدولية؛ حيث أصبحت القوى المتوسطة تستخدمها لحماية مصالحها وتوسيع نفوذها في ظل تراجع فعالية النظام الدولي التقليدي. وقد نجحت أنقرة في توظيف الدبلوماسية والشراكات العسكرية والعلاقات الاقتصادية لترسيخ مكانتها كوسيط مؤثر في عدد من النزاعات.
لكن هذا النهج يواجه ثلاثة قيود رئيسية:
· أولًا: تتفوق تركيا في إدارة الأزمات وتخفيف حدتها أكثر من قدرتها على إنهائها نهائيًا؛ إذ نجحت في الحفاظ على قنوات الحوار وتحقيق اتفاقات جزئية، لكنها لم تتمكن غالبًا من تحويلها إلى تسويات دائمة.
· ثانيًا: قد تؤثر علاقاتها الوثيقة مع بعض أطراف النزاع في مصداقيتها كوسيط، كما ظهر في حالة الصومال وأرض الصومال.
· ثالثًا: يمنح استخدام القوة العسكرية أو تصدير السلاح تركيا نفوذًا تفاوضيًا، لكنه ينطوي أيضًا على مخاطر إطالة أمد الصراعات أو تصعيدها، وهو ما تعكسه تجارب إقليمية مختلفة أبرزها الحالة السودانية.
وبذلك، يجمع النموذج التركي بين الدبلوماسية والقدرة العسكرية والبراغماتية السياسية، ما يمنحه مرونة وتأثيرًا في إدارة الأزمات، لكنه يظل محدودًا في تحقيق تسويات شاملة ومستدامة عندما تتعارض مصالحه الاستراتيجية مع متطلبات الحياد الكامل.