الحدث:
وقّع لبنان و"إسرائيل" "اتفاقًا إطاريًا" لم تعلن بنوده بشكل رسمي مع ملحق أمني سريّ يؤكد وفق ما تسرب على أن "إسرائيل" ولبنان يرغبان في "العيش بأمان كدولتين متجاورتين ذواتَي سيادة". وبموجب الاتفاق، سيتولى الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية في "مناطق تجريبية"، على أن تبدأ إعادة الإعمار المدعومة دوليًا واستعادة سيادته الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية بعد "التأكد من نجاح نزع سلاح "الجماعات المسلحة غير الحكومية"، ليصار بعدها إلى "إعادة انتشار" الجيش "الإسرائيلي" تدريجيًا خارج الأراضي اللبنانية.
وفي ردود الأفعال، اعتبر "حزب الله"، الاتفاق في حكم "منعدم الوجود" واصفًا إياه باتفاق "الذل والعار"، وشدد رئيس البرلمان، نبيه بري، على أن الاتفاق غير مقبول ويفتح باب الفتنة. وقد توالت المواقف الرافضة من كل من الرئيس السابق للحزب الاشتراكي، وليد جنبلاط، والتيار الوطني الحر والحزب الشيوعي والحزب القومي وحزب الراية والمفتي الجعفري الممتاز، والجماعة الإسلامية وهيئة علماء المسلمين في لبنان.
الرأي:
يكرّس الاتفاق وملحقه الأمني – وفق ما تسرب حتى الآن – الرؤية الأمنية "الإسرائيلية" بالكامل؛ إذ كرسا سيادة "إسرائيلية" على منطقة الحزام الأمني، ومنحا حرية للعمل العسكري في جنوب لبنان انطلاقًا من "حق الدفاع عن النفس" التي قيدها الاتفاق الإيراني الأمريكي، كما وربط الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار وعودة السكان من لبنان بنزع سلاح "حزب الله" كما تحاول "إسرائيل" في غزة، وهذه في مجموعها تعد مكاسب "إسرائيلية" تسعى "تل أبيب" من خلالها لتكريس فصل مسار لبنان عن مسار "إسلام آباد"، وتنسف ما تم الاتفاق عليه في سويسرا من آليات لمراقبة وقف النار، وهو ما سيمثل لـ"نتنياهو" "إنجازًا" يمكن أن يستثمره انتخابيًا.
بالمقابل، شكل الاتفاق تنازلًا أو تراجعًا لبنانيًا عما كانت تطالب الدولة اللبنانية به من الوقف الكامل والشامل لإطلاق النار، والذي كرسته فعليًا مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، إضافة إلى الانسحاب الكامل وفق جدول زمني محدد، وعودة السكان، والتعامل مع سلاح "حزب الله" كشأن داخلي، وبالتالي تكون قد أخضعت نفسها لالتزامات وشروط قاسية سواء بموافقتها على ربط الانسحاب بنزع السلاح، أو بإخضاع الجيش اللبناني لفحوص وتقييمات الجيش "الإسرائيلي" عبر لجنة تنسيق عسكرية مشتركة برعاية أمريكية.
فضلاً عن ذلك، يفتح الاتفاق باب انقسام حاد في الداخل اللبناني بالنظر إلى مواقف الأطراف المتباينة والحادة، ويضع البلاد على حافة "فتنة أهلية"، إذ من المرجح أن تشهد الفترة القادمة تصعيدًا إعلامياً وسياسيًا وشعبيًا، لمواجهة هذا الاتفاق ومندرجاته، والذي يرى كثيرون أنه "لن يمر" في مجلس النواب وسيسقط كما سقط مثيله (اتفاق 17 أيار) إبان الحرب الأهلية.
وفي ظل مواصلة إسرائيل" عملها العسكري الممنهج في استهداف البنى التحتية وعناصر "حزب الله"، ضمن ما شرعنه هذا الاتفاق لـ"تل أبيب" من حرية حركة، في مقابل تمسك "حزب الله" بسلاحه، وإصراره على عدم العودة إلى ما قبل 2 آذار، فإن الأوضاع في جنوب لبنان ستبقى على وتيرتها، دون استبعاد موجات تصعيد متقطعة، في وقت سيواصل فيه "حزب الله" الرد على النار بالنار ضمن استراتيجية مقاومة المحتل ووفق انضباطية بنود مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية.
واتساقًا مع ما تقدم، من المرجح أن يعقّد "الاتفاق الاطاري" مهمة المفاوض الإيراني دون شك، وقد يفضي إلى تعديل أهداف طهران من الانسحاب إلى تثبيت وقف الحرب على جبهة لبنان، باعتبار أنه في الأجل القصير والمتوسط تعتبر حماية حزب الله أولوية إيران في لبنان.