تهديد البنية التحتية الرقمية في مضيق هرمز يفرض تحديات استراتيجية أمام اقتصادات دول الخليج

الساعة : 15:15
29 يونيو 2026
تهديد البنية التحتية الرقمية في مضيق هرمز  يفرض تحديات استراتيجية أمام اقتصادات دول الخليج

المصدر: معهد دول الخليج العربي (AGSI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

أدّت التهديدات الإيرانية تجاه كابلات الإنترنت البحرية والبنية التحتية الرقمية في مضيق هرمز لتحويل الأزمة من مجرد تهديد ممر حيوي لنقل الطاقة، إلى مصدر لمخاطر هجينة تهدد اقتصادات دول الخليج. وإن كانت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تتجه نحو التهدئة في ظل المحادثات التي أسفرت عن توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة في سويسرا، لكن بعض التهديدات التي أطلقتها طهران خلال الحرب، والتي تجاوزت مجرد استهداف خطوط الملاحة أو تعطيل تدفقات الطاقة، ما زالت تثير القلق.

ومن أبرز هذه التهديدات أن إيران وسعت خلال الحرب نطاق أدوات الضغط لتشمل البنية التحتية الرقمية في المنطقة؛ فقد أعلن رئيس مقر "خاتم الأنبياء" التابع للقوات المسلحة الإيرانية، إبراهيم ذو الفقاري، في أيار/ مايو الماضي، أن إيران ستفرض رسومًا على كابلات الإنترنت البحرية. كما دعت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، منها وكالة "تسنيم" ووكالة "فارس" للأنباء، إلى اتخاذ إجراءات لتوليد إيرادات من كابلات الإنترنت البحرية مثل فرض التراخيص والرسوم، بل وطُرح احتمال تقييد عمل هذه الكابلات في المنطقة.

ويعكس هذا التحول في النهج الإيراني نحو استراتيجية هجينة قائمة على ممارسة الضغوط في مضيق هرمز، توجهًا قد يعود للواجهة إذا انهارت المفاوضات وتجددت الأعمال العدائية، بما يحول هذا الممر البحري من مجرد نقطة اختناق للطاقة إلى عقبة أمام الاقتصاد الرقمي الإقليمي.

من نقطة اختناق للطاقة إلى أداة ضغط هجينة

في نيسان/ أبريل الماضي وصف المنتدى الاقتصادي العالمي أزمة الملاحة في مضيق هرمز بأنها أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ أسواق النفط، ولم تقتصر آثار الأزمة على النفط بل امتدت إلى تراجع صادرات عدد من السلع غير النفطية منها الكبريت والميثانول والألمنيوم. في الوقت نفسه تم تسجيل أكثر من مليون حادثة تشويش على نظام تحديد المواقع العالمي "GPS" منذ اندلاع الحرب، وقع 98% منها في منطقة الخليج.

من جانبه، أوضح "توماس ويذينغتون"، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة "RUSI"، أن إيران وعددًا من دول الخليج، إلى جانب الولايات المتحدة، تمارس عمليات التشويش الإلكتروني، لكنه أشار إلى أن طهران أتقنت تقنيات التشويش بعد حصولها على معدات من روسيا وتوسيع قدراتها المحلية في هذا المجال. كما ذكرت "ميشيل بوكمان"، كبيرة محللي الاستخبارات البحرية في شركة "Windward"، أن ناقلات النفط الإيرانية مارست أساليب تضليل بحري عبر تزوير مواقعها الجغرافية والإبحار في ما يعرف بـ"الوضع المظلم"، من خلال إيقاف تشغيل أنظمة التعريف الآلي للسفن "AIS". وأضافت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن السفن العاملة بالقرب من مضيق هرمز تعرضت لعمليات انتحال لإشارات نظام "GPS Spoofing"، وهي تقنيات احتيالية تستخدمها بعض الدول للتلاعب بأنظمة الملاحة ومنع السفن من الوصول إلى وجهاتها الأصلية.

في هذا السياق أيضًا، أصدرت السلطات الإيرانية تحذيرات رسمية اعتبرت فيها الكابلات البحرية عنصرًا حساسًا في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، وإذا فشلت جهود السلام واستؤنف العمل العسكري، فإن نقاط الضعف هذه قد تتحول لأهداف سهلة لهجمات عديدة، الأمر الذي يستدعي اهتمامًا عاجلًا من صناع القرار في دول الخليج. فخلال الحرب، نشرت وكالة "تسنيم" تقريرًا حدد كابلات الإنترنت البحرية باعتبارها نقاط ضغط استراتيجية، وذلك بعد أشهر قليلة من استهداف طائرات مسيرة إيرانية مراكز بيانات تابعة لشركة "أمازون" في كل من الإمارات والبحرين. ويمثل هذا التطور مجموعة من التهديدات لصناع القرار والمسؤولين عن أمن الملاحة البحرية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي في المنطقة.

فمن ناحية، تراجعت القدرة على مراقبة الحركة البحرية في خليج عُمان ومضيق هرمز خلال فترة الصراع؛ حيث تأثرت نحو 470 سفينة بعمليات التشويش على نظام "GPS" بحلول أيار/ مايو. ومن ناحية أخرى، أصبحت الكابلات البحرية التي تنقل ما يقدر بنحو 99% من حركة الإنترنت العالمية عرضة للخطر، بما يشمل كابلات الألياف الضوئية والكابلات الكهربائية التي تشكل ركيزة أساسية لخدمات الحوسبة السحابية والتجارة الإلكترونية والمعاملات الرقمية، وجميعها عناصر حيوية بالنسبة لدول الخليج الساعية لبناء اقتصادات ما بعد النفط. فعلى مدار السنوات الماضية استثمرت كل من السعودية والإمارات مليارات الدولارات في رقمنة اقتصادهما وبناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، كما تخطط الرياض لضخ عشرات المليارات من الدولارات في تطوير البنية التحتية لمراكز البيانات ضمن مستهدفات "رؤية السعودية 2030".

بالمقابل، فإن تصاعد التوترات بين طهران وأبوظبي، والتي قد تتجدد إذا استؤنفت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، يزيد من احتمال استهداف الكابلات البحرية الرئيسة، ومنها شبكة FLAG Alcatel-Lucent Optical Network، التي يبلغ طولها نحو 7000 ميل، وتربط الإمارات بكل من السعودية وقطر والكويت والسودان ومصر والعراق واليمن والهند وجزر المالديف وسريلانكا، إضافةً إلى كابل Asia Africa Europe-1 (AAE-1)، الذي يمتد لمسافة 15500 ميل ويربط مضيق هرمز بمياه الخليج.

الحاجة لاستراتيجيات أمنية متطورة وشاملة

تشكل التهديدات الإيرانية الموجهة ضد الكابلات البحرية تحديًا واضحًا للاستراتيجيات الأمنية لدول الخليج العربية، لا سيما السعودية وقطر والإمارات التي تعرضت جميعها بصورة مباشرة للهجمات الإيرانية. وتقتصر أطر الحوكمة البحرية الحالية على حماية ناقلات النفط وضمان حرية الملاحة، دون أن تشمل حماية البنية التحتية الرقمية. فعلى سبيل المثال، ركزت الإمارات خلال الأزمة على إعادة توجيه ناقلاتها النفطية عبر ميناءي الفجيرة وخور فكان، لكنها لم تعتمد حتى الآن إجراءات أو خطط طوارئ مخصصة لحماية بنيتها التحتية الرقمية تحت سطح البحر. في الوقت ذاته، تبذل كل من أبوظبي والرياض وحكومات إقليمية أخرى جهودًا لإنشاء مسارات برية بديلة، منها مشروع "SilkLink" الممتد لمسافة 2800 ميل عبر سوريا مع ربطه بالأردن ولبنان وتركيا. كما أكدت السعودية خلال الدورة 111 للجنة السلامة البحرية التابعة للمنظمة البحرية الدولية في أيار/ مايو الماضي، تمسكها بنهج إدارة الأزمات عبر دعم الالتزامات الدولية الرامية لضمان استدامة سلاسل الإمداد وتحسين أوضاع العاملين في القطاع البحري وتفعيل مسارات بديلة للنقل.

رغم ذلك، فإن عمليات الردع البحري التي تنفذها السعودية والإمارات بحاجة للتطوير والتوسع لمواجهة التهديد الوجودي الذي تمثله إيران للاقتصاد الرقمي الخليجي؛ فقد أدى غياب آليات إقليمية مشتركة لحماية هذا القطاع إلى دفع بعض الدول، مثل قطر، لتبني إجراءات أحادية منها إنشاء كابلات إضافية عبر شركة "أوريدو" المملوكة للدولة. لكن الطبيعة المترابطة لشبكات الكابلات البحرية التي تخدم الاقتصادات الرقمية الخليجية تفرض اعتماد مقاربات متكاملة وشاملة، تجمع بين الأمن البحري وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعتبر هذه المقاربة ضرورية لضمان التدفق الحر للبيانات وتعزيز مرونة الاقتصاد الرقمي في المنطقة. كما إن أخذ نقاط الضعف الناشئة عن التهديدات الإيرانية في الحسبان، والتي يمكن استغلالها مستقبلًا إذا تجدد الصراع، سيساعد دول الخليج على التعامل بصورة أكثر فاعلية مع هذا التحدي الأمني الهجين المتنامي.