قراءة في تأثيرات حرب إيران على اتساع الفجوة في المصالح الأمريكية و"الإسرائيلية" ووصولها لمرحلة حرجة

الساعة : 15:19
16 يونيو 2026
قراءة في تأثيرات حرب إيران على اتساع الفجوة في المصالح الأمريكية و

المصدر: أتلانتك كاونسل

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

رغم التنسيق الوثيق بين قادة الولايات المتحدة و"إسرائيل" وجيشيهما منذ بداية الحرب ضد إيران، إلا أن مصالح البلدين وأهدافهما وأولويات وقيود قادتهما السياسيين تباعدت بشكل كبير؛ فقد اتسعت الفجوة بينهما، التي كانت متواضعة في السابق، لتصبح هوة سحيقة يصعب ردمها.

وتتسع هذه الهوة على المحاور التالية:

محور إنهاء الحرب

عندما اندلعت الحرب كان لدى كل طرف بلا شك أمل في انهيار النظام الإيراني، لكن عندما اتضح أن النظام قادر على تحمل الضربات العسكرية القوية وقام بالمقابل بشن هجمات انتقامية مؤلمة على البنية التحتية العسكرية الأمريكية وأهداف في دول الخليج، أدرك "ترامب" أن الأمر قد بلغ حده، ومنذ ذلك الحين وهو يبحث عن مخرج. أما "نتنياهو" فظل يعمل وفقًا للمبادئ "الإسرائيلية" التي سادت بعد أحداث السابع من أكتوبر؛ والتي ترى وجوب التعامل مع التهديدات التي تواجه "إسرائيل" بشكل استباقي دون السماح بتفاقمها. وما زال "نتنياهو" يعتقد أن ممارسة مزيد من الضغط العسكري على إيران قد تؤدي لسقوط النظام، وحتى في حال عدم حدوث ذلك فإن استمرار الضغط العسكري سيزيد من إضعاف قدراتها النووية والصاروخية الباليستية.

محور مضيق هرمز

عندما أغلقت إيران مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية اكتسبت نفوذًا هائلًا في الصراع؛ فمن خلال تعطيل سلاسل الطاقة العالمية وغيرها من سلاسل الإمداد، تسببت في دمار اقتصادي، بما في ذلك ارتفاع كبير في أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة. بالمقابل، رد "ترامب" على الإغلاق بفرض حصار على الموانئ الإيرانية، لكن ذلك لم يُحدث سوى توازن في الكفة. وفي المفاوضات اللاحقة، احتل المضيق مكانةً بارزة، ونتيجةً لذلك أُحيلت القضايا النووية إلى مرحلة ثانية من المفاوضات، بينما أُهملت تمامًا عدة قضايا مهمة أخرى. ويتضح جليًا ما يُعمّق هذا الخلاف؛ فـ"إسرائيل" تعاني من الاضطراب الاقتصادي الناجم عن إغلاق المضيق بدرجة أقل بكثير من الولايات المتحدة، كما إن "الإسرائيليين" لديهم قدرة عالية على تحمل الاضطراب الذي يشعرون به نظرًا لخطورة التهديد الإيراني. ومع ازدياد انشغال "ترامب" بالبعد الاقتصادي للصراع واستمرار تركيز "نتنياهو" بشدة على القضايا الأمنية، تتعارض أولويات الولايات المتحدة و"إسرائيل" في هذه المفاوضات التي لا تلعب فيها "إسرائيل" أي دور.

بنود الاتفاق

لا تعتبر إعادة فتح المضيق أولوية كبيرة لـ"إسرائيل"؛ فأولويتها القصوى اتفاق يُنهي البرنامج النووي الإيراني نهائيًا، وذلك بتصدير جميع اليورانيوم المخصب وحظر التخصيب بشكل دائم وتفكيك جميع المنشآت النووية والسماح بعمليات تفتيش مستمرة ودقيقة. كما ترغب "إسرائيل" أيضًا في فرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، لكن هذه المسألة غائبة عن المفاوضات. على الجانب الآخر، يبدو "ترامب" مستعدًا لقبول أقل من ذلك بكثير؛ إذ يتضمن الاتفاق المُحتمل تعهدًا إيرانيًا بعدم تطوير أسلحة نووية (وقد قُطع هذا التعهد عدة مرات من قبل)، واتفاقًا على التفاوض بشأن شروط تصدير أو تخفيف تركيز اليورانيوم عالي التخصيب، وتعليقًا مؤقتًا للتخصيب، على أن تُحدد التفاصيل لاحقًا.

بالمقابل، تُطالب إيران بتخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول المُجمدة، وهو ما يرفض "ترامب" تقديمه مُسبقًا، لكنه مُنفتح عليه في مراحل لاحقة؛ فقدرته على ادعاء النجاح في المفاوضات تتوقف بشكل كبير على مدى تمكنه من وصف الاتفاق بأنه أكثر صرامة من الاتفاق النووي الذي أبرمه "أوباما" عام 2015. وقد لا ينجح الاتفاق في تجاوز هذا المعيار، وحتى لو نجح في ذلك أمام الرأي العام الأمريكي فإن هيكل الاتفاق برمته سيظل بعيدًا كل البعد عن توقعات "نتنياهو" ومطالبه؛ لأنه سيترك إيران قادرة على إعادة بناء برنامجها النووي إذا ما أخلّت بالاتفاق أو عند انتهائه، وسيضمن لطهران موارد مالية لتمويل قدراتها العسكرية ودعم وكلائها في المنطقة.

جبهة لبنان:

يشن حزب الله هجمات على "إسرائيل" منذ الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهناك شبه إجماع بين "الإسرائيليين" على ضرورة رد "إسرائيل" للقضاء على تهديد حزب الله واستعادة الأمن للمجتمعات الشمالية، بغض النظر عن تأثير ذلك على المفاوضات الأمريكية مع إيران. في غضون ذلك، رضخ "ترامب" للموقف الإيراني القائل بأنه لا يمكن فصل الجبهتين، وأن أي اتفاق لإنهاء الحرب يجب أن يتضمن تهدئة الأوضاع في لبنان؛ فقد حثّ "نتنياهو" على عدم شنّ هجوم على حزب الله في بيروت. وبالتالي، فإن فكرة تقييد قدرة "إسرائيل" على الدفاع عن نفسها ضد هجمات حزب الله حرصًا على عدم الإخلال بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، لا سيما مع تراجع أهمية الأهداف الأمنية "الإسرائيلية" في هذه المفاوضات، أمرٌ يصعب على "الإسرائيليين" تقبله.

التداعيات الداخلية على "ترامب"

لم يبق سوى أقل من خمسة أشهر على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وحتى لو تم فتح مضيق هرمز سريعًا فإن معارضي "نتنياهو" ومؤيديه على حد سواء ينتقدون قبوله واقعًا لا تستطيع فيه "إسرائيل" اتخاذ قرارات سيادية للدفاع عن نفسها، وتضطر فيه لقبول قيود يفرضها زعيم أجنبي (حتى لو كان صديقًا) يُقلل من شأن مخاوف "إسرائيل"، وهذا ما يجعل مساره المحفوف بالمخاطر نحو البقاء السياسي أكثر صعوبة. وقد دافع "ترامب" سابقًا بقوة عن "نتنياهو"، داعيًا الرئيس "الإسرائيلي"، إسحاق هرتسوغ، إلى إصدار عفو عنه لوقف محاكمته بتهم الفساد. وفي وقت من الأوقات، كان "نتنياهو" يخطط لدعوة "ترامب" إلى "إسرائيل" لتقديم جائزة "إسرائيل" له وتسليط الضوء على شراكتهما، لكنها خطوة قد لا تكون ممكنة الآن أو حتى ذات قيمة سياسية لـ"نتنياهو".

التداعيات الداخلية على "نتنياهو"

يتشارك "ترامب" و"نتنياهو" التزامًا بضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، لكن الحرب كشفت عن تضارب العديد من الأهداف والأولويات؛ لكنه تضارب لا يمنع التعاون المستقبلي سواء أثناء الحرب الحالية أو بعدها بشأن التعهد المشترك للزعيمين بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. فقد بدأت بالفعل مفاوضات بشأن اتفاقية تعاون أمني جديدة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ويمكن تخيل محاولة "ترامب" تعزيز فرص "نتنياهو" الانتخابية بطرق أخرى، لكن التباينات في مصالحهما الوطنية والسياسية قد قلّصت من مساحة التوافق بينهما، وأضعفت من فعالية محاولاتهما في هذا الصدد.