المصدر: موندوفايس
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
تشير تقارير إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يواجه حاليًا مذكرة تفاهم قد تضفي الطابع الرسمي على وقف إطلاق النار القائم مع إيران، وإطلاق مفاوضات تهدف لإنهاء الحرب والتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية العالمية. لكن المقترح يواجه معارضة شديدة من "إسرائيل" ومن الصقور المناهضين لإيران في واشنطن، ما يضع "ترامب" أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ إما قبول اتفاق بكلفة سياسية مرتفعة أو استئناف صراع قد يفاقم التحديات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجهه.
ما يتضمنه الاتفاق مع إيران وما لا يتضمنه
لن تؤدي مذكرة التفاهم المقترحة بحد ذاتها إلى إنهاء الحرب، بل ستعمل على تثبيت وقف إطلاق النار ووضع إطار للمفاوضات التي قد تقود في نهاية المطاف إلى تسوية دائمة. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه العملية غير مضمون في ظل انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، لا سيما بعد الضربات الأمريكية و"الإسرائيلية" التي وقعت بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية.
من جهتها، تفضل إيران اتباع مسار تدريجي يختبر النوايا الأمريكية من خلال الأفعال لا الوعود، بالمقابليواجه "ترامب" ضغوطًا سياسية متعارضة ويبدو مترددًا في تنفيذ اتفاق ساهم فريقه في التفاوض بشأنه. وقد أسهم الموقع التفاوضي الأقوى الذي تتمتع به إيران في رسم ملامح الاتفاق؛ فبينما كان "ترامب" يسعى في البداية لإبرام "صفقة كبرى" شاملة، أصرت طهران على اعتماد نهج مرحلي. كما تبدو محاولات توسيع "اتفاقيات أبراهام" جزءًا من سعي "ترامب" لتقديم إنجاز دبلوماسي أوسع يعوض الانتكاسات التي رافقت الصراع.
كما تشير التقارير إلى أن المذكرة تتضمن تنازلات قد تثير غضب الصقور المناهضين لإيران، من بينها تخفيف العقوبات وتقديم مساعدات لإعادة الإعمار والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، بينما تتمثل أولوية "ترامب" الأساسية في إعادة فتح مضيق هرمز وتقليص الأضرار الاقتصادية قبل انتخابات الكونغرس المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر.
وبموجب الترتيبات المقترحة، ستعيد إيران فتح الملاحة البحرية عبر المضيق وتزيل العوائق مثل الألغام البحرية، في حين ستخفف الولايات المتحدة تدريجيًا القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية، وستتوقف الأعمال القتالية بما فيها المرتبطة بالساحة اللبنانية، وستجدد إيران تعهدها بعدم تطوير أسلحة نووية. وسيطلق الاتفاق كذلك فترة مفاوضات تمتد ستين يومًا، تتناول البرنامج النووي الإيراني وتخفيف العقوبات والأصول المجمدة وتمويل إعادة الإعمار والترتيبات طويلة الأمد الخاصة بإدارة مضيق هرمز.
وقد أكد "ترامب" بصورة غير مباشرة بعض عناصر المقترح عندما شدد على ثلاث أولويات رئيسية:
1- منع إيران من امتلاك سلاح نووي
2- إعادة فتح مضيق هرمز
3- معالجة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب تحت إشراف دولي.
وتوحي تصريحاته بوجود استعداد للنظر في مقترح إيراني يقضي بتخفيف نسبة تخصيب اليورانيوم العالي، وإخضاعه لعمليات تفتيش مستمرة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد يرضي هذا الترتيب طهران لكنه على الأرجح لن يلبي المطالب "الإسرائيلية". كما إن تأكيد "ترامب" على عدم تبادل أي أموال "حتى إشعار آخر" يوحي بإمكانية تقديم تنازلات مالية في مراحل لاحقة من العملية التفاوضية. ومن اللافت أن المناقشات لا تتضمن مطالب تتعلق ببرامج إيران الصاروخية أو المسيّرات أو دعمها لحلفائها الإقليميين، وهي ملفات طالما اعتبرتها "إسرائيل" والعديد من صناع القرار الأمريكيين قضايا أساسية.
كارثة في نظر "نتنياهو" وصقور إيران
بحسب تقارير "إسرائيلية"، ينظر "نتنياهو" إلى الاتفاق المقترح باعتباره كارثة سياسية، لكنه بحسب مصادر مقربة منه يشعر بالعجز عن منع واشنطن من المضي قدمًا إذا قرر "ترامب" المضي في هذا المسار. كما تفيد التقارير بأن "ترامب" يشعر بالاستياء من "نتنياهو"؛ إذ يعتقد أنه تلقى منه تقديرات مضللة بشأن فرص تغيير النظام في إيران، ونتيجة لذلك يُقال إن "نتنياهو" استُبعد من المداولات الرئيسية وأصبح يُبلَّغ بالقرارات بعد اتخاذها.
ورغم ذلك، ما زالت "إسرائيل" تحتفظ بأوراق تأثير مهمة؛ فالتصعيد الأخير في لبنان يبدو رسالة واضحة تعبر عن رفض أي ترتيبات تربط التحركات "الإسرائيلية" هناك باتفاق أمريكي–إيراني أوسع، كما يحظى "نتنياهو" بدعم شخصيات نافذة داخل واشنطن. فقد سارع سياسيون جمهوريون، مثل تيد كروز وليندسي غراهام وروجر ويكر، إلى انتقاد التقارير المتعلقة بالمذكرة. ولا تقتصر المعارضة على الجمهوريين؛ إذ اعتبرت النائبة الديمقراطية، ديبي واسرمان شولتز، أن أي اتفاق لا يؤدي لإنهاء المخزون النووي الإيراني وقدراته الصاروخية سيكون فشلًا.
وفي حين يفضل كثير من الديمقراطيين مراقبة "ترامب" وهو يواجه هذه الضغوط المتعارضة، فما زالت هناك معارضة واسعة النطاق لأي اتفاق مع إيران. كما إن أي محاولة لفرض انسحاب "إسرائيلي" كامل من جنوب لبنان ستواجه على الأرجح مقاومة سياسية قوية، ما يزيد من احتمالات التوصل لتسوية تحفظ موقع "إسرائيل" الاستراتيجي هناك.
المخاوف الإيرانية
رغم أن إيران خرجت من الصراع في موقع تفاوضي أقوى، فقد دفعت ثمنًا باهظًا؛ حيث أدت الحرب والعقوبات والحصار لتفاقم الأوضاع الاقتصادية مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية. وخلافًا للولايات المتحدة و"إسرائيل" اللتين تسعيان لتحقيق أهداف استراتيجية، تنظر إيران إلى الصراع باعتباره معركة تتعلق ببقائها. ولا يقتصر هذا التصور على الدفاع عن الجمهورية الإسلامية فحسب، بل يشمل أيضًا الحفاظ على الهوية التاريخية لإيران ومكانتها الإقليمية.
ويدرك القادة الإيرانيون حجم التفوق العسكري "الإسرائيلي" وقدراته الاستخباراتية والدعم الدولي الذي يحظى به، ورغم ما أظهرته إيران من قدرة على الصمود واستمرار نفوذها عبر مضيق هرمز، فقد تكبدت أضرارًا جسيمة في البنية التحتية المدنية وما زالت معرضة للمخاطر. لذلك تسعى طهران للحصول على ضمانات تحول دون تجدد الصراع بعد أشهر قليلة من وقف إطلاق النار. كما يخشى الإيرانيون أن تؤدي النقاشات الأمريكية حول "الهزيمة الاستراتيجية" لتشجيع محاولات مستقبلية لقلب نتائج الحرب من خلال عمل عسكري جديد. وتفسر هذه المخاوف إصرار إيران على اتباع نهج تدريجي وتحفظها تجاه الضمانات الأمريكية العامة.
الخلاصة
يتمثل الخيار المطروح حاليًا في تنفيذ مذكرة التفاهم أو العودة إلى الحرب، وحتى إذا استؤنف القتال فقد ينتهي الأمر في نهاية المطاف لاتفاق مشابه بعد تكبد مزيد من الخسائر والدمار. لكن التحدي الأكبر يتمثل في أن "ترامب" قد لا يمتلك الحرية السياسية الكافية لتقديم التنازلات المطلوبة للتوصل لتسوية شاملة يمكن لإيران قبولها، لذلك قد يستمر الجمود الحالي لسنوات أخرى. أما عناصر الاتفاق الدائم فهي معروفة إلى حد كبير؛
· ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز،
· وعمليات تفتيش صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنع تطوير أسلحة نووية،
· وإعادة دمج إيران اقتصاديًا،
· وإقامة ترتيبات أمنية إقليمية تشمل إيران ودول الخليج العربية.
وفي جوهر الأمر، فإن هذه المبادئ تشبه لحد كبير الإطار الذي قامت عليه "خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA). ويبقى السؤال المركزي هو: هل سيمتلك القادة المستقبليون الإرادة السياسية اللازمة للمضي في مثل هذه التسوية؟