الحدث
أصدرت "الآلية الخماسية" المعنية بالسودان (الاتحاد الأفريقي، إيغاد، الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، الترويكا) بيانًا ختاميًا في الخامس من يونيو 2026، أعلنت فيه إجراء مشاورات بين 3 و5 يونيو في "أديس أبابا" مع طيف واسع من الأطراف السياسية والمدنية السودانية، تمهيدًا لتشكيل لجنة تحضيرية لحوار سوداني- سوداني شامل.
وفي السابع من يونيو، التقى المبعوث الأممي الخاص، بيكا هافيستو، رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في الخرطوم بحضور وزير الخارجية، محيي الدين سالم، وطلب منه دعم جهود الآلية ودخول المسار.
الرأي
يحمل هذا التطور دلالة استراتيجية مهمة تتمثل في انتقال إدارة الملف السوداني من إطار "الرباعية الدولية" (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) إلى مسار أممي-أفريقي أوسع، بما يعكس قناعة متزايدة لدى الأطراف الدولية بأن الجهود السابقة لم تنجح في الوصول إلى تسوية مستدامة. كما يأتي هذا التحول بالتزامن مع تراجع مستوى الاهتمام الأمريكي بالأزمة السودانية نتيجة انشغال واشنطن بملفات دولية أخرى، الأمر الذي أتاح للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيغاد" فرصةً أكبر لاستعادة دورها في قيادة المسار السياسي.
في الأثناء، تتزامن هذه التحركات مع مؤشرات واضحة على إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني، من بينها الانقسامات داخل قوة "الدعم السريع" وعودة شخصيات وقيادات سياسية إلى الخرطوم، وهو ما يمنح الآلية الخماسية فرصة للدفع نحو إنشاء لجنة تحضيرية للحوار السياسي قبل أن يتمكن "البرهان" من فرض مساره البديل القائم على "الحوار الداخلي" والذي أعلنه نهاية الشهر الماضي. ويعكس تشديد الأمم المتحدة على بناء الثقة بين الأطراف محاولة لتجاوز حالة الرفض التي يبديها البرهان تجاه أي مبادرات خارجية.
وتتقاطع مصالح الأطراف المختلفة حول هذا المسار؛ فالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يسعيان إلى استعادة دورهما في إدارة الأزمة، بينما ترى القوى المدنية فيه فرصة للعودة إلى المشهد السياسي بعد سنوات من التراجع. في المقابل، يحاول "البرهان" الحفاظ على سيطرة المؤسسة العسكرية على العملية السياسية من خلال الترويج للحوار الداخلي، في حين يواجه "الدعم السريع" خطر التهميش السياسي مع استمرار الجهود الدولية دون إشراكه بصورة مباشرة.
وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في التوصل إلى صيغة توافقية تجمع بين المبادرة الأممية والحوار الداخلي الذي تطرحه الحكومة، بما يسمح بإشراك القوى المدنية والحركات المسلحة ضمن إطار وطني يحظى بدعم دولي. وقد يترافق ذلك مع تهدئة ميدانية تدريجية، بينما تبقى مواقف "الدعم السريع" ومن خلفه دولة الإمارات، من أبرز العوامل القادرة على التأثير في نجاح هذا المسار أو تعطيله.