حزب الله سيبقى الورقة الأصعب في أذرع إيران الإقليم

الفصائل الشيعية العراقية تُعيد تقييم كلفة استمرار ارتباطها الوثيق بطهران

الساعة : 13:33
8 يوليو 2026

بعد انهيار نفوذها في سوريا وتعرض حزب الله لانتكاسة كبيرة اضطرت إيران للارتكاز على العراق باعتباره ساحة نفوذها الرئيسة، ما حوّل البلاد لميدان حاسم في الصراع الدائر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. فلم يهدف الهجوم الأمريكي على إيران أواخر شباط/ فبراير الماضي لمنعها من امتلاك سلاح نووي فقط، بل جاء أيضًا في إطار محاولة تصحيح التداعيات الاستراتيجية غير المقصودة لقرار الولايات المتحدة عام 2003 الساعي لتغيير النظام في العراق. كما إن سقوط نظام "الأسد" في سوريا أواخر عام 2024 أتاح لواشنطن فرصة تاريخية لتقليص النفوذ الإيراني في الجزء الشمالي من الشرق الأوسط.

لذلك ليس من المستغرب أن تتزامن هذه الجهود مع مساعٍ موازية لإضعاف أبرز وكلاء إيران الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، إلى جانب شبكة الفصائل العراقية المنضوية تحت مظلة "الحشد الشعبي". لكن إيران لم تُهزم بعد؛ فرغم أن الحكومة السورية الجديدة المدعومة من تركيا تمثل انتكاسة كبيرة للاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، فإن طهران ستواصل الاحتفاظ بنفوذ مؤثر في كل من لبنان والعراق في المدى المنظور.

في الـ30 من حزيران/ يونيو الماضي أعلن متحدث باسم الحكومة العراقية أن بغداد منحت الفصائل المسلحة الموالية لإيران مهلة حتى 30 أيلول/ سبتمبر لتسليم أسلحتها، وهو موعد يتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم "داعش". ومن المقرر أن يزور رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، البيت الأبيض منتصف تموز/ يوليو الجاري، حيث يُتوقع أن يناقش جهود نزع سلاح الفصائل المسلحة إلى جانب سعيه للحصول على استمرار الدعم السياسي والاقتصادي الأمريكي. وقبل ذلك بيومين زار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بغداد للتنسيق بشأن مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، في العتبات المقدسة بالعراق، ولبحث العلاقات الثنائية عقب توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية مؤخرًا. وقبل ذلك أيضًا، وفي الـ12 من أيار/ مايو، أجرى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، زيارة غير معلنة إلى بغداد، وذلك قبل أربعة أيام فقط من تولي "الزيدي" منصبه؛ حيث التقى قادة القوى السياسية والفصائل المسلحة الموالية لإيران وحثهم على عدم تقديم أي تنازلات لواشنطن فيما يتعلق بملف نزع السلاح.

فرصة لبغداد

من خلال تصعيد الضغوط على دول الخليج وتعطيل حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز بالتوازي مع قبولها تسوية بشأن برنامجها النووي، تمكنت إيران من دفع الولايات المتحدة لإعادة ضبط سياستها بما أفضى لرفع القيود المفروضة على وصولها البحري والتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار. وبذلك، نجح النظام الإيراني في تجاوز المرحلة المباشرة من التصعيد، لكنه يواجه الآن تحديات هيكلية عميقة داخل البلاد، تشمل الضغوط الاقتصادية والانقسامات السياسية وتزايد الضغوط الاجتماعية.

في الوقت نفسه، ما زالت طهران تعتبر الحفاظ على حزب الله ذراعًا عسكريًا متقدمًا لاستراتيجيتها الإقليمية أولوية أساسية رغم التراجع الكبير الذي تعرض له الحزب. أما على المستوى الإقليمي، فقد اضطرت إيران للاعتماد على العراق بوصفه ساحة نفوذه رئيسية، إلا أن موقعها هناك أصبح هو الآخر أكثر هشاشة وعرضة للتحديات. فقد منحت الحرب الإقليمية "الزيدي" فرصة أقوى لإعادة فرض سلطة الدولة على "الحشد الشعبي"، وهو هدف عجز جميع رؤساء الحكومات العراقية عن تحقيقه منذ تأسيس النظام السياسي الحالي الذي تهيمن عليه القوى الشيعية عام 2003.

فخلافًا لأسلافه، يستفيد "الزيدي" من تقاطع نادر في المصالح؛ فقد أصبح العديد من قادة الفصائل المسلحة أكثر اهتمامًا بالحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق، بينما يواجهون ضغوطًا غير مسبوقة من واشنطن لتفكيك الجماعات المسلحة المدعومة من إيران. كما تَعزَّز موقعه السياسي بفضل الدعم الأمريكي الصريح لتوليه رئاسة الوزراء، وهو دعم فُهم على أنه مشروط بتحقيق تقدم ملموس في ملف نزع سلاح الفصائل. وقد بدأت هذه الظروف المواتية بالفعل تؤتي ثمارها؛ من خلال اتخاذ خطوات عملية لدمج أو تسريح عدد من الفصائل المسلحة الرئيسية، بما يعني أن بغداد قد تمتلك أخيرًا فرصة حقيقية لإضعاف أحد أهم مرتكزات النفوذ الإيراني في العراق.

بالمقابل، فإن تراجع النفوذ الإقليمي لإيران يدفع العديد من القوى السياسية والفصائل الشيعية العراقية لإعادة تقييم كلفة استمرار ارتباطها الوثيق بطهران؛ إذ لا يرغب كثير منها في أن تتراجع مكانتها بالتوازي مع تراجع راعيها التقليدي. وعليه، فقد أصبح لدى هذه الأطراف حافز متزايد لإيجاد مسافة سياسية واستراتيجية أكبر بينها وبين إيران، بهدف حماية مصالحها من حالة الغموض المتزايدة التي تحيط بمستقبل الجمهورية الإسلامية

في الوقت ذاته، تدرك هذه القوى أن استثمار الإمكانات الهائلة التي يمتلكها العراق في قطاع الطاقة واستقطاب رؤوس الأموال اللازمة لتطويرها، يتطلبان الحفاظ على علاقة مستقرة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. عمليًا، يبرز نموذجان مختلفان أمام هذه الفصائل؛ نموذج حزب الله الذي يعتمد اعتمادًا كاملًا على طهران، والنموذج الحوثي الذي يحتفظ بهامش أكبر من الاستقلال ويتحالف مع إيران عندما تتوافق مصالحهما.

المرحلة المقبلة من احتواء إيران

لكي ينجح هذا التحول الاستراتيجي سيتعين على الطبقة السياسية الشيعية المنقسمة في العراق تجاوز خلافاتها الداخلية، وهي الانقسامات التي نجحت إيران في استثمارها ببراعة طوال أكثر من عقدين. في الوقت ذاته، تواجه القوى الشيعية العراقية ضغوطًا متزايدة نتيجة ظهور حكومة سنية جديدة بسوريا ، وهو تطور غيّر موازين القوى على الحدود الغربية للعراق بصورة جوهرية.

فمن جهتها، تبدي هذه القوى قلقًا عميقًا من أن تتمكن حكومة دمشق المدعومة من تركيا والسعودية من تهيئة الظروف لعودة النفوذ السياسي والعسكري السني داخل العراق. وتزداد هذه المخاوف مع تنامي التقارب الاستراتيجي بين أنقرة وواشنطن، وهو ما يتجلى على سبيل المثال في تكليف "توم باراك"، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي "ترامب" إلى بلاد الشام، بمتابعة الملف العراقي أيضًا ضمن مسؤولياته؛ إذ يجمع الطرفين هدف مشترك يتمثل في إضعاف حزب الله في لبنان وتقليص النفوذ الإيراني في العراق.

إن تجريد حزب الله والفصائل الشيعية العراقية من قدراتها العسكرية المستقلة لن يتحقق عبر اتفاق سياسي واحد أو حملة عسكرية واحدة، بل سيكون نتيجة عملية طويلة ومعقدة. وسيتطلب النجاح في ذلك مواصلة الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران لإجبارها على وقف تسليح هذه الجماعات، بالتوازي مع إعادة تشكيل الحسابات الاستراتيجية لوكلائها بما يقنعهم بأن الاندماج في مؤسسات الدولة يوفر أمنًا واستقرارًا أكبر على المدى الطويل من مواصلة العمل المسلح.

حتى في ظل هذه الظروف، سيظل نزع سلاح حزب الله أصعب بكثير من تحييد الفصائل الشيعية العراقية، لأن الهيمنة السياسية للحزب في لبنان تستند أساسًا إلى تفوقه العسكري على مؤسسات الدولة المسلحة. أما العديد من الفصائل العراقية فلديها مسار واقعي للحفاظ على نفوذها بل وربما توسيعه، من خلال الدولة العراقية نفسها التي يهيمن عليها الشيعة أصلًا والتي توفر ثرواتها النفطية والغازية الضخمة حوافز اقتصادية لا يمتلكها لبنان.

إضافةً لذلك، ليست العقبة الأكبر أمام تفكيك شبكة وكلاء إيران الإقليميين عسكرية أو سياسية فحسب بل أيديولوجية أيضًا؛ فالعقيدة الثورية الشيعية الإسلامية التي تتبناها الجمهورية الإسلامية ما زالت تمنح كثيرًا من هذه الجماعات شرعية فكرية تربطها بطهران، وهو ما يجعل تغيير توجهاتها الاستراتيجية أكثر صعوبة من خلال الضغوط العسكرية أو الحوافز الاقتصادية وحدها.

ورغم أن المتغيرات الجيوسياسية قد تدفع هذه التنظيمات لتعديل تكتيكاتها وإعادة ضبط علاقاتها مع إيران، فلا ينبغي تفسير ذلك على أنه تخلي عن الرؤية الأيديولوجية التي تشكل أساس هويتها وأهدافها. ومن ثمّ، فإن إحداث تغيير سلوكي دائم لدى هذه الجماعات لن يتطلب فقط إضعاف القدرات المادية لإيران على دعم مشروعها الإقليمي، بل أيضًا تقويض الجاذبية الأيديولوجية التي مكّنت هذا المشروع من الصمود لما يقرب من نصف قرن.