المصدر: جيويش إنسايدر
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
بدأت المملكة العربية السعودية تعيد ضبط تموضعها الإقليمي بطرق مخالفة لافتراضات طالما حكمت النظر إلى دور الرياض بوصفها قوة اعتدال في الشرق الأوسط؛ إذ تكشف التحركات الأخيرة في اليمن والسودان والقرن الأفريقي عن اتساع الهوة بينها وبين دولة الإمارات، وعن تقارب متزايد مع قطر وتركيا اللتين تتبنيان مواقف عدائية معلنة تجاه "إسرائيل". وقد تجلّى هذا التحول بأوضح صوره في الملف اليمني؛ حيث قادت المملكة غارة جوية استهدفت شحنة مركبات إماراتية، قالت الرياض إنها كانت موجهة إلى "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم من الإمارات، والذي عزز نفوذه جنوب البلاد في وقت تعثرت فيه الجهود المدعومة سعوديًا لتحقيق الاستقرار في الدولة المنهكة بالحرب.
وفي السودان؛ حيث تصطف الإمارات إلى جانب قوى منافسة، تسبب قرار السعودية باحتضان فصائل متحالفة مع الإسلاميين في تعميق الخلافات مع أبوظبي، ما وضع حليفي الولايات المتحدة وصاحبي النفوذ في الخليج في مواجهة بعضهما البعض. كما اتخذت الدولتان مواقف متباينة إزاء الصومال؛ فقد أبدت الإمارات دعمها لأرض الصومال، في حين أدانت السعودية "إسرائيل" على اعترافها باستقلال الإقليم، وذكرت "القناة 12" العبرية أن هذه الخطوة تهدد فرص إقامة علاقات دبلوماسية بين الرياض والقدس.
وقد أثارت هذه التحركات مجتمعةً تساؤلات حول دور الرياض بوصفها قوة اعتدال في المنطقة، وحول كونها شريكًا محتملًا في مسار التطبيع مع "إسرائيل"؛ فمن جهتها، قالت نيرفانا محمود، معلّقة سياسية مصرية مقيمة في المملكة المتحدة، إن "قراءة القرارات الاستراتيجية داخل المملكة أمر بالغ الصعوبة، لأنهم لا يعلنون خططهم، لكنني لاحظت تحولًا في الموقف السعودي منذ منتصف عام 2024". وأوضحت "محمود" أن التباعد السعودي–الإماراتي اتسع أيضًا بسبب تليين الموقف السعودي تجاه قطر، وهو ما رأت أنه يعكس إدراك المملكة لتنامي نفوذ الدوحة إقليميًا وعالميًا، لا سيما في ضوء المكانة الإيجابية التي تحظى بها قطر لدى إدارة ترامب".
وأضافت المعلقة المصرية: "أرى السعوديين يقولون: لا يمكننا هزيمة الإسلاميين، لكن يمكننا التأثير فيهم واستخدامهم لتحقيق نفوذ استراتيجي. إنهم يعتقدون أنهم قادرون على التأثير في الإسلاميين بدلًا من أن يُخدعوا بهم. في السابق كان الإسلاميون يتسللون إلى السعودية، أما الآن فترى السعودية نفسها قوية بما يكفي للتأثير فيهم وترويضهم لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وأرى أن ذلك ضرب من التمنّي".
وقد حسّنت السعودية علاقاتها مع قطر فأنهت الحصار المفروض على الدوحة عام 2021، ووقّعت مؤخرًا اتفاقًا لربط الرياض والدوحة بخط سكة حديد فائق السرعة. بالمقابل، أعربت الإمارات عن مخاوف إزاء نفوذ الدوحة في "خطة ترامب للسلام" في غزة، بما في ذلك دورها المحتمل في مرحلة ما بعد الحرب، فضلًا عن علاقات قطر بالحركات الإسلامية. وأشارت "محمود" أيضًا إلى انخراط السعودية في سوريا؛ حيث دعمت الرياض جهود إعادة تأهيل الرئيس السوري، أحمد الشرع، وتشجيع انفتاحه على إدارة "ترامب"، رغم خلفية "الشرع" الإسلامية. بالمقابل، اتخذت "إسرائيل" موقفًا أكثر تشككًا حيال "الشرع"، ولم تنجح حتى الآن في التوصل لاتفاق أمني مع دمشق.
ومن دواعي القلق الأخرى تردد السعودية في الانخراط في مسار الانضمام إلى "اتفاقيات أبراهام"، رغم تصريحها علنًا بالاستعداد لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" بشرط إقامة مسار يؤدي لقيام دولة فلسطينية والتوصل لوقف لإطلاق النار في غزة.
وقال "عبد الحسين" أيضًا: "منذ هجمات 11 سبتمبر، لا سيما منذ وصول بن سلمان إلى السلطة عام 2015، بذلت السعودية جهدًا كبيرًا للنأي بنفسها عن جماعة الإخوان المسلمين والإسلاموية، لكنها اليوم تقترب من جميع الحكومات الإسلاموية المعادية لإسرائيل والغرب، سواء كانت إيران وباكستان أو قطر وتركيا". واتهمت "محمود" الرياض بـ"اللعب على الحبال" في ملف التطبيع، معتبرةً أن المملكة واصلت الإيحاء برغبتها في الانضمام إلى "اتفاقيات أبراهام"، مع "وجود ذريعة دائمة لعدم القيام بذلك"، مضيفةً: "الأعذار لن تنتهي أبدًا، والمملكة تحاول البقاء في الجانب الجيد من ترامب".
كما تميّز ابتعاد الرياض عن دول الخليج المعتدلة بتباين الرؤى بشأن كيفية التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين؛ بينما دأبت قطر على رعاية أنشطة الحركة الإسلاموية، اتخذت السعودية والإمارات تاريخيًا موقفًا أكثر تشددًا تجاه الجماعة؛ حيث صنفتاها منظمة إرهابية، في انسجام مع تحركات إدارة "ترامب" الأخيرة في هذا الاتجاه.