المصدر: فورين أفّيرز
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
الملخص التنفيذي
يشهد قطاع غزة توازنًا جديدًا، حيث انتهى القتال العنيف والمساعدات الإنسانية بدأت تدخل القطاع بصورة مطّردة، إلا أن الخطط الرامية لتسوية أشمل ما زالت متوقفة، فيما تتسم العلاقة بين حماس و"إسرائيل" اليوم بصراع محدود لكنه مستمر، من دون تقدم نحو السلام. كما إن سياسات "إسرائيل"، ورفض حماس التنازل عن مزيد من النفوذ، وضعف تركيز إدارة "ترامب"، من المرجح أن يؤدي إلى إفشال مقترح السلام خاصة ما يتعلق منه بإعادة تأهيل غزة.
فبشكل أساسي، يعتمد أي تقدم إضافي على إنشاء قوة استقرار دولية، تتولى حفظ الأمن في غزة ونزع سلاح حماس ثم تدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة لا تنتمي إلى حماس، تتولى لاحقًا السيطرة على القطاع. عندئذٍ سينسحب الجيش "الإسرائيلي" إلى 40% من مساحة القطاع، ثم لاحقًا إلى 15% مع تحسن الأوضاع الأمنية المحلية. وفي الوقت نفسه، يفترض أن تنشأ حكومة تكنوقراط فلسطينية غير مسيّسة لإدارة غزة، تكون مسؤولة أمام ما وصفه "ترامب" بـ"مجلس السلام"، والذي يتولى هو رئاسته رسميًا، فيما يدير شؤونه اليومية رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير. أما السلطة الفلسطينية، فمن المفترض أن تُجري إصلاحات كبرى بينما تستعد لتولي دور رئيسي في إدارة القطاع في نهاية المطاف.
من جهتها، تبذل الولايات المتحدة بعض الجهود لدفع الأمور قدمًا؛ فقد أنشأ الجيش الأمريكي مركزًا للتنسيق المدني–العسكري في "إسرائيل"، لمراقبة وقف إطلاق النار وتوزيع المساعدات الإنسانية إلى غزة. كما زار "إسرائيل" مؤخرًا مسؤولون أمريكيون كبار منهم نائب الرئيس، جيه دي فانس، ووزير الخارجية، ماركو روبيو، والمستشار البارز (وصهر ترامب)، جاريد كوشنر، في إشارة إلى التزام واشنطن باتفاق وقف إطلاق النار. بالمقابل، ما زال الغموض يكتنف التصريحات والخطط المتعلقة بالخطوات اللاحقة المهمة لتحسين الأمن؛ فتردد إدارة "ترامب" في الاضطلاع بدور أكبر وأكثر مباشرة في إعادة إعمار غزة، وتباطؤ الشركاء المحتملين في تقديم دعم أوسع، كلها عوامل تجعل تنفيذ الجوانب الأكثر طموحًا من خطة "ترامب"، لا سيما نزع سلاح حماس وإنشاء حكومة فلسطينية جديدة في غزة، أمرًا مستبعدًا في المستقبل القريب، إن لم يكن مستبعدًا تمامًا.
في غضون ذلك، ما زال العنف مستمرًا؛ حيث قتل عدد من الجنود "الإسرائيليين" وعدد أكبر من الفلسطينيين، مقاتلين ومدنيين، ومن الصعب التحقق من تقارير انتهاكات وقف إطلاق النار، لكن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة يزعم أن "إسرائيل" انتهكت الاتفاق ما لا يقل عن 282 مرة، بينما يقول الجيش "الإسرائيلي" إن حماس انتهكته 24 مرة. ومع استمرار هذا القتال المحدود، ما زال 90% من سكان غزة نازحين، بينما يحتاج 1.5 مليون شخص إلى مساعدات طارئة في مجال الإيواء. ورغم تعهد "إسرائيل" بالسماح بدخول 600 شاحنة مساعدات يوميًا إلى القطاع، أفادت الأمم المتحدة بأن المتوسط اليومي لم يتجاوز 120 شاحنة، كما زادت الأمطار الغزيرة والطقس البارد من معاناة السكان.
قد يبدو هذا الوضع القائم، الذي يتسم بسياسات مرتجلة ومحاولات أمريكية متعجلة لإطفاء الحرائق واستمرار معاناة المدنيين، غير مستقر، لكن يبدو أن وضعًا شبيهًا بهذا سيمثل مستقبل غزة؛ عنف محدود لكنه دائم، وأزمات صغيرة متكررة، بدلًا من التقدم نحو التنمية والسلام والاستقرار الأكبر.
ذرائع جاهزة لاستمرار ضرب غزة
يعبتر إنشاء قوة استقرار طويلة الأمد من أهم المهام لتحقيق تقدم نحو السلام، لكنه في الوقت ذاته من أصعبها؛ فمن وجهة نظر "إسرائيل"، تعتبر هذه القوة ضرورية لمنع عودة حماس إلى السلطة، وللإشراف على نزع سلاحها. وقد طمأن رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، حكومته بأن "إسرائيل" ستمتلك حق النقض "الفيتو" على الدول المشاركة في هذه القوة.
أما الولايات المتحدة، فرغم أنها كانت من أبرز الداعمين لفكرة قوة الاستقرار، لكنها رفضت المشاركة فيها، وكذلك فعل شركاء أمريكيون آخرون، رغم خطابهم الداعم في كثير من الأحيان. وحتى الدول العربية والإسلامية المتعاطفة أبدت ترددًا، إدراكًا منها أن مثل هذه القوة على الأرض ستقمع الفلسطينيين نيابة عن "إسرائيل"، وهو ما يعتبر سُمًّا سياسيًا لحكوماتها، لا سيما في ظل غياب مسار واضح نحو دولة فلسطينية قد يبرر تعاونها مع "إسرائيل" على المدى القصير. وهناك أطراف أخرى تطالب بتفويض من الأمم المتحدة لهذا المسار برمته، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل معارضة الصين وروسيا، اللتين توظفان هذا الملف لإظهار دعمهما للسيادة الفلسطينية وعدائهما للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. وحتى لو أمكن نشر قوات على الأرض، فإن مكافحة التمرد مهمة شاقة، لا سيما في بيئة حضرية تتطلب قواعد اشتباك صارمة وقوات ماهرة واستعدادًا لتحمل الخسائر، وهي توليفة نادرة حتى في أفضل الظروف.
وما لا يقل صعوبة عن ذلك هي مهمة نزع سلاح غزة وتجريد حماس من سلاحها؛ فخطة "ترامب" تدعو لضمان أن تصبح أسلحة حماس "غير قابلة للاستخدام بشكل دائم"، وتدمير جميع "البنى التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية" عمومًا. وبالنظر إلى مدى مقاومة حماس الراسخة لنزع سلاحها في السابق، فمن المرجح أن تواصل ذلك عمليًا، رغم موافقتها النظرية على خطة النقاط العشرين. فمن الناحية الأيديولوجية، ترى حماس نفسها حركة مقاومة، وحركة مقاومة بلا سلاح تفتقر إلى المصداقية. ومن الناحية العملية، تحافظ القوة العسكرية لحماس على سيطرتها على غزة، وتمكّنها من قمع خصومها وتحميها من هجمات انتقامية من أعدائها العديدين. فعلى سبيل المثال، بعد وقت قصير من بدء وقف إطلاق النار، هاجمت الحركة أفرادًا من عشيرة دغمش القوية، وهي عائلة كبيرة تتركز أساسًا في مدينة غزة، وقد اشتبكت مع حماس وتعاونت مع "إسرائيل"، وفقًا لوسائل إعلام متعددة، وذلك لتأكيد أن العشيرة، وغيرها من سكان غزة، يدركون أن حماس ما زالت صاحبة السلطة.
كما إن الدول الخارجية ليست متحمسة لإعادة إعمار غزة؛ فقد روجت إدارة "ترامب" لرؤى طموحة لمستقبل القطاع، واقترحت في إحدى نقاط خطتها العشرين "خطة تنمية اقتصادية لإعادة بناء غزة وتنشيطها… من خلال عقد لجنة من الخبراء الذين أسهموا في إنشاء بعض المدن الحديثة المزدهرة في الشرق الأوسط". وألقى "ترامب" عبء تمويل إعادة الإعمار، التي ستتطلب نحو 70 مليار دولار، على "الدول العربية والإسلامية". لكن حتى الآن، فإن استمرار القتال، ولو بمستوى منخفض، سيؤدي لنفور الاستثمارات وأموال إعادة الإعمار.
وربما تكمن الصعوبة الأكبر في السؤال غير المحسوم حول الجهة التي ستحكم غزة على المدى الطويل؛ فالحديث عن "تكنوقراط" أو عن "سلطة فلسطينية معدلة" يخفي حقيقة أنه لا يوجد حاليًا بديل واضح أو حتى معقول لحكم حماس، أو للاحتلال العسكري "الإسرائيلي" المباشر، وهما الواقعان القائمان اليوم في غزة. وقد بدأت حماس بالفعل ترميم سمعتها المتضررة بين سكان القطاع لمجرد كونها القوة الوحيدة القادرة بشكل موثوق على توفير الحد الأدنى من القانون والنظام. ولتجنب تجاوزها من قبل "إسرائيل" أو استهدافها من قبل حماس، فإن أي حكومة مستقبلية ستحتاج لأن تكون مقبولة من الطرفين، وهو إنجاز يصعب تصوره في الوقت الراهن. ودون وجود حكومة كهذه وقوة أمنية تتمتع بالكفاءة، ستواصل "إسرائيل" الشعور بالحاجة لضرب غزة لمنع حماس من إعادة بناء قدراتها.
لا عودة للقتال لكن لا عودة لحماس أيضا
لا تسعى "إسرائيل" إلى العودة إلى قتال شامل؛ فمع إطالة أمد الحرب بدأت تتراجع عوائد عملياتها العسكرية، وهي مشكلة تفاقمت بفعل الضرر المتراكم لسمعتها الدولية. كما ارتفعت كلفة الحرب على المجتمع "الإسرائيلي"؛ حيث عطلت الاقتصاد وفرضت أعباء غير متكافئة على العائلات، في ظل إعفاء الحريديم (اليهود المتشددون) والعرب داخل "إسرائيل" من الخدمة العسكرية. واليوم، فإن تجدد القتال قد يثير غضب "ترامب" إذا حمّل "إسرائيل" مسؤولية انهيار أحد إنجازاته البارزة، لذلك فقد رحّب معظم "الإسرائيليين" بوقف إطلاق النار.
بالمقابل، ما زال "الإسرائيليون" غير مستعدين لقبول قيادة حماس لغزة، إما خوفًا من تكرار أحداث السابع من أكتوبر، أو بسبب الغضب الأوسع من الحركة لما جلبه هجومها من دمار وإذلال لـ"إسرائيل". ومن جانبهم، يعارض قادة اليمين "الإسرائيلي" أي اتفاق يفيد الفلسطينيين عمومًا، انطلاقًا من اعتقادهم بأن الفلسطينيين لا ينبغي أن "يربحوا" بأي شكل بسبب أحداث السابع من أكتوبر، كما يشعر "الإسرائيليون" عمومًا بالشك تجاه السلطة الفلسطينية. وهذا يعني عمليًا أن "إسرائيل" ستتردد في تسليم الملف الأمني لقوة استقرار دولية، فضلًا عن قوات فلسطينية، ما لم تكن واثقة تمامًا من أن هذه القوة ستقمع حماس، وهي ثقة قد لا تتحقق أبدًا. ورغم أن هذه المواقف "الإسرائيلية" قد لا تدفع إلى استئناف حرب شاملة، فإنها مرجحة لأن تؤدي إلى ضربات "إسرائيلية" منتظمة على غزة في المستقبل. وإذا عززت حماس سيطرتها علنًا في أجزاء من القطاع، فمن المرجح أن تحاول "إسرائيل" اغتيال من يظهر من قادة حماس، لضمان بقاء الحركة في موقف دفاعي دائم.
أما حماس، فحالها مثل "إسرائيل"، لا ترغب في العودة إلى قتال شامل، لكنها بدورها تملك حوافز قوية للقيام بأعمال عنف محدودة؛ فالحرب العنيفة التي أعقبت السابع من أكتوبر أودت بحياة عدد كبير من قيادتها وأضعفت منظومة القيادة والسيطرة لديها. وقد تكون تبريرات حماس الخاصة بالهجمات الأخيرة على الجيش "الإسرائيلي" معقولة؛ إذ قد يقدم قادة محليون أحيانًا على الضرب من تلقاء أنفسهم. لكن من شبه المؤكد أن الحركة ستواصل استخدام العنف لقمع من يتحدّون سلطتها، وقد تهاجم في بعض الأحيان القوات "الإسرائيلية"، إما بدافع الانتقام أو لإيصال رسالة إلى أنصارها بأنها ما زالت قوية بما يكفي لمقاومة "إسرائيل".
وعندما يحين وقت تنفيذ بنود خطة "ترامب" التي من شأنها إضعاف حماس بشدة وتدميرها كفاعل سياسي، فمن المرجح أن تقاوم الحركة ذلك بعنف، سواءً لأسباب أيديولوجية، نظرًا لاستمرار سعيها للسيطرة على غزة والحركة الوطنية الفلسطينية، أو بدافع الخوف من أن ينتقم خصوم فلسطينيون إذا لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها. وستؤدي هجمات الحركة على الجيش "الإسرائيلي" والرد "الإسرائيلي" العنيف الذي لا مفر منه، إلى تشويه سمعة أي حكومة تكنوقراط أو تابعة للسلطة الفلسطينية؛ إذ إن ذلك سيكشف عجزها عن حماية سكان غزة، ما سيزيد من احتمال النظر إليها بوصفها حكومة متعاونة، ويشكل مكسبًا سياسيًا لحماس، حتى لو عانى قادتها وسكان غزة عمومًا من الرد "الإسرائيلي".
غزة لن تغيب في المستقبل لكنها قد تُنسى
اليوم، تقوم القوات "الإسرائيلية" بدوريات مكثفة على طول "الخط الأصفر" الذي حدده وقف إطلاق النار، وتطلق النار على الفلسطينيين الذين يحاولون عبوره، ما أدى لمقتل العشرات، كما تبني حواجز من كتل إسمنتية لتحديد مساره، ومن السهل أن يتحول خط مؤقت كهذا إلى شبه دائم. وفي ظل هذه الوقائع، أُحبِطت بالفعل بعض الجهود الأمريكية الرامية لتعزيز إعادة الإعمار؛ ففي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، على سبيل المثال، حاولت الولايات المتحدة إنشاء "مجتمعات آمنة بديلة" يعيش فيها فلسطينيون خضعوا لتدقيق "إسرائيلي"، على الجانب "الإسرائيلي" من خط الفصل داخل غزة. لكن هذا المقترح تعثر بسرعة أمام أسئلة صعبة تتعلق بإمكانية تنقل الفلسطينيين في هذه المجتمعات بحرية، بين أجزاء القطاع الخاضعة لسيطرة "إسرائيل" وحماس. ولا يزال هذا المسعى معلقًا، وهو بمثابة تحذير من أن حتى المقترحات التي تبدو لطيفة قد تنطوي على تبعات سياسية يعارضها أحد الطرفين أو كلاهما.
وبمرور الوقت، سيتراجع الاهتمام الدولي بغزة، لا سيما إذا ظل العنف محدودًا ولم يتسع نطاقه، وإذا بقي الوضع الإنساني بائسًا بدلًا من كارثي. ومع تراجع التدقيق، ستنخفض الضغوط على الطرفين لتقديم تنازلات مؤلمة، وستواجه "إسرائيل" كلفة دبلوماسية أقل مقابل توجيه ضربات عسكرية.
وكما يوحي توافد كبار المسؤولين الأمريكيين، تفخر إدارة "ترامب" بدورها في التوصل لوقف إطلاق النار، وتود أن تجعل من غزة قصة نجاح، لكن تحقيق ذلك يتطلب ضغطًا مستمرًا ودبلوماسية صبورة، وهما أمران لا تتميز بهما سياسة "ترامب" الخارجية، كما يتطلب ذلك نشر قوات أمريكية ضمن قوة الاستقرار أو حثّ حلفاء قادرين على المشاركة. وسيتعين على "ترامب" نفسه الضغط على "نتنياهو" وقادة "إسرائيليين" آخرين للانسحاب من أجزاء من غزة، رغم الوضع الأمني غير المؤكد، وتنسيق ضغوط متواصلة من الشركاء العرب والمسلمين على حماس.
وبدون العناوين العريضة التي تثيرها الحرب والمجاعة في غزة، لا يُرجح أن تحافظ الإدارة على زخم جهودها، ودون هذه الجهود شبه الدائمة من الولايات المتحدة، يُرجَّح أن تستقر العلاقة بين "إسرائيل" وحماس على حالة مضطربة تتجنب الحرب الشاملة، لكنها تظل مع ذلك تتسم بصراع دائم، وغياب إعادة الإعمار في غزة، وقلة أو انعدام التقدم السياسي نحو سلام دائم.