آفاق التقارب الاستراتيجي بين السعودية وتركيا

الساعة : 11:57
3 مارس 2026
آفاق التقارب الاستراتيجي بين السعودية وتركيا

المصدر: آرَب جَلْف ستيت إنستيتيوت (AGSI)

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

شكّلت محادثات فبراير/ شباط بين السعودية وتركيا مؤشرًا على تبلور نظام إقليمي براغماتي، يقوم على التكامل الاقتصادي والتعاون الدفاعي وهواجس مشتركة إزاء عدم الاستقرار. فقد كان وصول الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى الرياض في الثالث من الشهر ذاته تتويجًا لمصالحة جرى إعدادها بعناية، ستعيد على الأرجح تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وقد أشارت محادثاته مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى ما يتجاوز مجرد إعادة ضبط ثنائية؛ إذ عكست بروز نظام إقليمي عملي يستند إلى تكامل المصالح الاقتصادية والتعاون الدفاعي وقلق مشترك من تفاقم الاضطرابات.

قوس المصالحة

لقد أدّى مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول 2018 لتجميد في العلاقات، ترافق مع تسريبات استخباراتية تركية ومقاطعات اقتصادية سعودية غير رسمية. وشكّل نقل محاكمة خاشقجي إلى الرياض عام 2022 بداية مسار انفراج، لكن ما تلا ذلك تجاوز بكثير مجرد تطبيع العلاقات؛ فقد تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي ثمانية مليارات دولار عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 14%. لكن التحوّل الحقيقي يكمن في مستوى الطموح؛ إذ يستهدف الطرفان رفع الرقم إلى عشرة مليارات دولار بحلول 2027 و30 مليارًا على المدى الطويل، تتضمن استثمارات سعودية تتجاوز ملياري دولار تتركز أساسًا في العقارات وقطاع الإنشاءات في تركيا.

في السياق ذاته، أصبحت السعودية سوقًا رئيسية لقطاع المقاولات التركي؛ حيث تنشط أكثر من 5600 شركة تركية في المملكة نفّذت مشاريع بقيمة 32.5 مليار دولار، ما يؤهلها للمشاركة في مشاريع "رؤية 2030" العملاقة، بما في ذلك "إكسبو 2030" وكأس العالم لكرة القدم 2034. وقد سلّطت زيارة فبراير الضوء على هذا التكامل الاقتصادي؛ إذ استقطب منتدى أعمال أكثر من 700 مشارك، وأشادت البيان المشترك بـ"قوة الروابط الاقتصادية"، مؤكّدًا على ضرورة استكمال اتفاقية تجارة حرة بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي.

البعد الدفاعي.. من الطائرات المسيّرة إلى مقاتلات الجيل الخامس

إذا كان الاقتصاد يشكّل الأساس، فإن التعاون الدفاعي يوفّر البنية الفوقية؛ فقد تطوّرت صادرات تركيا الدفاعية إلى السعودية من مشتريات ذات طابع تجاري إلى شراكات لنقل التكنولوجيا تتماشى، مع أهداف التوطين في الرياض. وما زالت صفقة الطائرة المسيّرة "بيرقدار أقينجي" لعام 2023 أكبر عقد تصدير دفاعي تركي مع السعودية، إلا أن الرئيس "أردوغان" كشف عن المسار الفعلي للشراكة خلال رحلة عودته من السعودية؛ فقد صرّح للصحفيين بأن الاستثمار المشترك في برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس "KAAN" التابع لشركة "Turkish Aerospace Industries" قد يتحقق في أي لحظة، فيما أكد المدير العام للشركة، محمد دمير أوغلو، أن المفاوضات بلغت "المستوى النهائي".

كما تعزّز التكامل الصناعي الدفاعي عبر مذكرة تفاهم في فبراير/ شباط بين شركة "روكيتسان" ووزارة الاستثمار السعودية والهيئة العامة للصناعات العسكرية، إلى جانب اتفاق لإنتاج مشترك (يشمل نقل التكنولوجيا) لمروحية "غوكبي".

اصطفاف إقليمي يُختبر في سوريا

إن متانة هذه الشراكة ستُختبر ميدانيًا في سوريا ما بعد "الأسد"؛ حيث تتقاطع المصالح التركية والسعودية دون أن تتطابق تمامًا. فقد أتاح سقوط  "الأسد" في ديسمبر/ كانون الأول 2024 فرصة، وفرض إلحاحًا تجسّد في أول زيارتين خارجيتين للرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، إلى السعودية وتركيا. ورفع البلدان العقوبات عن دمشق ونسّقا المساعدات، والأهم أن الرياض رحّبت بخطط دمج قوات "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية، وأعادت تأكيد "الدعم الكامل لجهود الحكومة السورية في تعزيز السلم الأهلي والحفاظ على سيادة سوريا"، وهي صياغة تتماشى مع أولويات أنقرة الأمنية حيال القوى الكردية، وتنسجم في الوقت ذاته مع الخطاب السعودي القائم على الاستقرار وإعادة الإعمار.

إن هذا التنسيق يخدم عدة أهداف؛ إذ يسعى الطرفان لمنع إعادة التموضع الإيراني في سوريا؛ كما استثمرت كل من أنقرة والرياض رصيدًا دبلوماسيًا كبيرًا لإقناع إدارة "ترامب" بالاعتراف برئاسة "الشرع" وتخفيف العقوبات عن سوريا، في مواجهة اعتراضات "إسرائيلية". وبالمثل، برز التقارب السعودي–التركي بوضوح في ملف غزة؛ حيث يدفع الطرفان نحو حلّ الدولتين وينسّقان خطط إعادة الإعمار.

معوّقات وخطوط تصدّع

رغم كل ما سبق ذكره، لا ينبغي الخلط بين هذا التقارب وشراكة خالية من التعقيدات؛ إذ يبقى التباين حول حركة حماس أبرز نقاط الاحتكاك؛ فما زال "أردوغان" يواصل دعم الحركة خطابيًا وماديًا، بينما تبقيها السعودية على مسافة بعيدة عنها، كما تختمر منافسة على النفوذ في سوريا وغزة خلف البيانات التعاونية.

من جهة أخرى، تعقّد التوترات السعودية–الإماراتية الحسابات؛ فاقتراب تركيا من السعودية قد يضغط على علاقاتها المتحسّنة مع الإمارات، في ظل بقاء تيارات تنافسية كامنة بين الرياض وأبوظبي، ومع سعي أنقرة لتعميق تعاونها مع القوتين الخليجيتين يصبح التوازن أكثر حساسية.

في ظل هذه التطورات، قد تتشكّل على هامش الشراكة هندسة أمنية سنّية مرنة أقرب إلى ترتيب توازني منه إلى كتلة صلبة؛ فتحسّن العلاقات التركية–المصرية إلى جانب الروابط الدفاعية العميقة بين الرياض وإسلام آباد، يتيح مجالًا لتنسيق عملي، إلا أن تحويل هذا الاصطفاف غير الرسمي إلى التزامات أمنية رسمية يظل غير محسوم. فقد أشارت تقارير أولية إلى احتمال انضمام تركيا إلى اتفاق الدفاع المتبادل السعودي–الباكستاني لكنها امتنعت في النهاية، على الأرجح مراعاةً لالتزاماتها داخل حلف "الناتو".

كما إن معارضة "إسرائيل" لحصول تركيا أو السعودية على قدرات من الجيل الخامس قد تعيق توسيع التعاون الدفاعي؛ فرغم الإشارات الأولية بالانفتاح من إدارة "ترامب"، تبقى الهواجس الأمنية "الإسرائيلية" قيدًا مؤثرًا في واشنطن. وفي الوقت ذاته، قد تتردد الرياض في الالتزام ببرنامج "KAAN" نظرًا لاعتماد التصدير على محركات "جنرال إلكتريك" وتوافر بدائل أوروبية مجرَّبة، واستمرار الاهتمام بمنصات أمريكية من الجيل الخامس، فضلًا عن الغموض التقني والمالي والزمني الذي ما زال يحيط بالبرنامج.

الدلالات الاستراتيجية

تمثّل الشراكة التركية–السعودية في جوهرها تحوّطًا براغماتيًا إزاء مجموعة أمور تتسم بالضبابية، من تقلب الموثوقية الأمريكية إلى النزعة الإيرانية لاستعادة النفوذ وصولًا إلى الأحادية "الإسرائيلية". إذ توفّر تركيا القدرة الصناعية وممرات العبور تقدّم السعودية رأس المال والنفوذ الإقليمي، ما يفتح آفاقًا لاستكشاف فرص إعادة الإعمار في الخارج، بما في ذلك سوريا. كما يؤسّس "مجلس التنسيق التركي–السعودي" إطارًا مؤسسيًا للتعاون في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والفضاء وقطاعات أخرى.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذا الاصطفاف يقدّم فرصًا وتحديات في آن واحد؛ فقد يسهّل التقارب التركي مع إدارة "ترامب" في سوريا تقليص الانخراط الأمريكي مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. لكن تفضيل أنقرة والرياض الانخراط مع إيران بدل مواجهتها، ودعمهما للاستقرار في سوريا بقيادة سنّية بدل تفضيلات "إسرائيلية" ظاهرها التفكيك، قد يعقّد موازنة واشنطن بين شركائها السنّة و"إسرائيل".

كما يشير هذا التقارب إلى تحولات في أسواق السلاح العالمية ومعايير نقل التكنولوجيا؛ فإذا تبلورت صفقة "KAAN" مع السعودية فستمنح مصداقية لنموذج الشراكة الصناعية الدفاعية التركي، القائم على تقاسم التكنولوجيا بدل قيود المستخدم النهائي، وهو ما يحمل تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط، وقد يعيد تشكيل مقاربات القوى المتوسطة لاقتناء السلاح وبناء التحالفات.

هل يُكتب الاستمرار لهذه البراغماتية؟

لقد أظهرت قمة فبراير أن التقارب السعودي–التركي تجاوز مرحلة الانفراج الحذر إلى شراكة تشغيلية؛ لكن استدامة هذه الشراكة مرهونة باستمرار البراغماتية؛ فسوريا ستختبر قدرة الطرفين على إدارة نفوذ متداخل دون الانزلاق إلى منافسة صفرية، وستكشف إعادة إعمار غزة إذا كان يمكن تحييد الخلاف حول حماس، أما التعاون الدفاعي فسيبيّن إذا كان نقل التكنولوجيا سيتجسد فعليًا أم يظل رمزيًا.

كما إن هذه الشراكة تتطلب إدارة علاقات أطراف ثالثة قد تفرض خيارات متباينة؛ من تنافس أبوظبي مع أنقرة إلى تعقيدات إسلام آباد مع نيودلهي والتزامات واشنطن تجاه "إسرائيل"، فضلًا عن قدرة طهران على إفساد المسارات.