بين العقوبات والردع..النظام الإيراني قد يرى في المواجهة فرصة للبقاء أكبر منها في التسوية

الساعة : 17:30
27 فبراير 2026
بين العقوبات والردع..النظام الإيراني قد يرى في المواجهة فرصة للبقاء أكبر منها في التسوية

المصدر: إيران إنترناشيونال

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

لقد أصبح وضع طهران يُشبه دولةً محاصَرة ترى في المواجهة فرصة للبقاء أكبر مما تراها في التسوية؛ دولةً لا تنظر إلى الصدام الحاسم بوصفه كارثة بل باعتباره نقطة تحوّل محتملة. ففي الـ17 من فبراير/ شباط الجاري، بينما كان فريق التفاوض الإيراني في جنيف يجري محادثات مع مسؤولين أمريكيين، وجّه المرشد الأعلى، علي خامنئي، تحذيرًا حادًا في طهران عكس هذا المنظور؛ إذ قال: "الأخطر من حاملة الطائرات هو السلاح القادر على إرسالها إلى قاع البحر".

ورغم استمرار المفاوضات في الخارج، يبدو أن مؤسسة الحكم في طهران، ومعها منظومتها الإعلامية، تعمل على تهيئة الرأي العام لا لاتفاق وشيك بل لاحتمال مواجهة فاصلة.

تحوّل في التوقعات

إن أحد أبرز الفوارق بين جولة المحادثات الحالية والجولات السابقة يتمثل في تراجع توقعات إمكانية تحقيق سلام؛ ففي السابق كان المسؤولون يؤطرون المفاوضات باعتبارها دبلوماسية تُدار من موقع قوة، ما وصفه القادة الإيرانيون بأنهم "طالِبو سلام وقادرون على الحرب". أما اليوم فإن أصواتًا قريبة من دوائر القرار تعكس شكوكًا متزايدة في أن تُفضي المحادثات إلى اتفاق؛ فالمسؤولون يقدّمون المفاوضات أساسًا كوسيلة لإدارة التصعيد وتجنّب انفجار إقليمي غير منضبط، لكن خطابًا موازيًا ترسّخ في الإعلام المقرّب من الدولة أصبح يتعامل مع الحرب بوصفها احتمالًا واقعيًا، بل وربما مفيدًا.

في هذا الإطار، تركّز بعض التحليلات على الجاهزية التقنية متناولةً وضعية القوات وانتشار الصواريخ، بينما تصوغ أصوات أخرى المشهد بلغة لاهوتية معتبرةً أن العناية الإلهية سترشد إيران إلى النصر. وفي هذا السرد، لا يُنظر إلى التسوية باعتبارها براغماتية دبلوماسية بل هزيمة استراتيجية، وغالبًا ما يُستحضر النموذج الليبي؛ إذ يُقدَّم قرار "القذافي" بالتخلي عن برامج التسلّح بوصفه مدخلًا لتغلغل خارجي وإضعاف داخلي وانهيار نهائي. ووفق هذا الإطار، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره بداية النهاية، بينما على النقيض قد تؤدي الحرب إلى إعادة ضبط التوازن الاستراتيجي، عبر وقف إطلاق نار وتعزيز الردع وتجديد الشرعية.

الحرب كمهمة واختبار

ينبع هذا التصور من تحوّل أيديولوجي واسع تعمّق في السنوات الأخيرة؛ فقد احتوت اللغة السياسية للجمهورية الإسلامية دومًا عناصر دينية ومهدوية، غير أن هذه الموضوعات ازدادت بروزًا عقب الصراعات الأخيرة. وضمن هذا السياق، تُفهم المواجهة بوصفها صراعًا حضاريًا بقدر ما هي جيوسياسية، وتُصوَّر "المقاومة"، حتى إن كانت بكلفة مرتفعة، على أنها اختبار إيماني في معركة أخلاقية كبرى بين قوى متعارضة.

وتزداد النزعة الوجودية في توصيف المواجهة من قبل معلّقين ومسؤولين مقرّبين من الدولة، كما تحوّل خطاب بعض القادة العسكريين من التركيز على الردع إلى التشديد على الاستعداد، بما يوحي بأن إيران ليست مهيّأة لتحمّل الصراع فحسب بل للانتصار فيه. أما مواطن الضعف البنيوية أو التوترات الاجتماعية، فتُقدَّم لا كقابليات اختراق بل كابتلاءات ينبغي الصبر عليها. ويعكس هذا المنظور منطقًا لاهوتيًا متجذرًا في الأسس الأيديولوجية للنظام؛ حيث يُنظر إلى النصر بوصفه ثمرة الثبات على المبادئ الإلهية لا مجرد تفوّق مادي، وحتى الخسارة أو التضحية يمكن إعادة تأويلهما بوصفهما انتصارًا روحيًا. كما يتقاطع هذا التفكير مع سرديات خَلاصية ومهدوية حاضرة في بعض دوائر الخطاب الأيديولوجي؛ إذ يتم تصوير الدولة فاعلًا في مهمة تاريخية ودينية أوسع.

فخّ البقاء

تستند هذه السرديات إلى حساب استراتيجي حادّ؛ فمن منظور القيادة تنطوي التسوية على مخاطر وجودية، لأن الاتفاق مع الولايات المتحدة قد يفرض قيودًا على برنامج الصواريخ الإيراني أو أنشطته النووية أو حضوره الإقليمي. ويبدو أن دوائر الحكم تعتقد أن مثل هذه القيود ستُضعف ركائز النظام الأساسية وقد تهدد استمراره. وهنا (على نحو مفارق) تبدو الحرب أقل خطورة، ويستشهد أنصار هذا الطرح بما يعتبرونه دروسًا من مواجهات سابقة، معتبرين أن الصراع الخارجي لم يؤدِّ إلى انهيار داخلي أو انتفاضة واسعة النطاق، بل يرى بعضهم أن ظروف الحرب قد تعزز التماسك الداخلي وتدعم الشرعية.

ولا يعني ذلك أن طهران تسعى إلى الحرب لذاتها، بل يعكس ما يمكن تسميته "فخّ البقاء"؛ وضعية تنطوي فيها كلٌّ من الدبلوماسية والمواجهة على مخاطر، لكن المواجهة وحدها تُبقي احتمال التعافي الاستراتيجي قائمًا. فالعقيدة العسكرية الإيرانية تؤكد على الحرب غير المتكافئة والتصعيد الإقليمي، عبر توسيع نطاق الصراع خارج الحدود لفرض كلفة على الخصوم وخلق أوراق ضغط. وقد يحوّل مثل هذا النهج ضربةً محدودة إلى أزمة أوسع تُفضي إلى مفاوضات بشروط أكثر ملاءمة. والمفارقة واضحة؛ فالتفاوض يهدف لتجنّب الحرب، لكن فعل التفاوض ذاته وما قد يستتبعه من تنازلات قد يبدو للنظام أكثر خطورة من الحرب نفسها.