رؤية إدارة "ترامب" للشرق الأوسط من خلال وثيقتي الأمن والدفاع

الساعة : 13:09
19 فبراير 2026
رؤية إدارة

المصدر: ذا ناشيونال نيوز

ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات

إن محاولة حصر نهج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في السياسة الخارجية (وهو نهج غير قابل للتنبؤ) في وثائق سياسية ثابتة بطبيعتها مهمة صعبة؛ فالمفاجأة واستخدام أوراق الضغط والارتجال ليست عيوبًا في رؤية "ترامب" للعالم، بل هي عناصر أساسية فيها. ومع ذلك حاولت الإدارة القيام بهذا التمرين مرتين مؤخرًا؛ بإصدار "استراتيجية الأمن القومي" (NSS) في ديسمبر/ كانون الأول الماضي و"استراتيجية الدفاع الوطني" (NDS) في يناير/ كانون الثاني.

ومن غير المرجح أن يشعر "ترامب" بأنه مقيّد بكل سطر في أي من الوثيقتين؛ فهو يعتبر عدم القدرة على التنبؤ أساسًا استراتيجيًا، سواءً في مواجهة الخصوم أو أحيانًا في التعامل مع الحلفاء. رغم ذلك فإن قراءة نصّي الوثيقتين معًا مهمة؛ فهما تقدمان أوضح بيان عن رؤية الإدارة للعالم وأولوياتها الاستراتيجية ونواياها الإقليمية، كما تكشف الوثيقتان كيفية تقاطع غرائز "ترامب" الشخصية مع تيارات أقدم داخل اليمين الأمريكي؛ الشك في التعددية والتأكيد على السيادة والقوة وتفضيل التحالفات القائمة على الصفقات.

استنتاجات رئيسية من الوثيقتين:

تبرز  هنا ثلاثة استنتاجات رئيسية عند قراءة الوثيقتين:

·      أولًا: إن الولايات المتحدة تبتعد رسميًا عن رؤية ما بعد عام 1945 القائمة على نظام دولي تقوده أمريكا قائم على القواعد، نحو نظام أكثر تنافسية بين الدول ذات السيادة.

·      ثانيًا: إن السلام لا يتحقق عبر ضبط النفس أو بناء المؤسسات بل عبر النفوذ والضغط والقوة.

·      ثالثًا: تتصور الإدارة إقليم الشرق الأوسط منطقة ترتكز على "إسرائيل" ودول الخليج، وتظل تحت إشراف القوة الأمريكية ومندمجة اقتصاديًا معها، ولم تعد تُعرَّف أساسًا بمنطقة صراع.

ويركّز هذا المقال أساسًا على ما تشير إليه الاستراتيجيتان بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، مع وضع هذه الإشارات بإيجاز ضمن الإطار العالمي الأوسع للإدارة. فالوثيقتان تشكلان معًا ابتعادًا حاسمًا عن لغة الدولية الليبرالية؛ فاستراتيجية الأمن القومي تقلل صراحة من أهمية فكرة النظام الدولي القائم على القواعد بقيادة أمريكية، لصالح عالم من المنافسين من الدول ذات السيادة، حيث تبقى قوة الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والطاقة الضامن النهائي لمصالحها.

على المستوى الإقليمي، تنتج هذه الرؤية تسلسلًا هرميًا واضحًا؛ فالنصف الغربي من الكرة الأرضية يُعامل كمجال نفوذ أمريكي شبه حصري، بما يعكس إحياء "مبدأ مونرو"، ويتجلى ذلك بوضوح في تحركات واشنطن الأخيرة في فنزويلا. وتُعاد صياغة منافسة القوى الكبرى باعتبارها "مناورة تنافسية" يمكن إدارتها لا صراعًا وجوديًا. ويتم تصوير روسيا كتهديد محدود يمكن احتواؤه في أوروبا الشرقية، مع تفاخر الإدارة بأنها دفعت الحلفاء الأوروبيين إلى رفع إنفاقهم الدفاعي من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي منطقة آسيا–المحيط الهادئ، يتمثل الهدف في محاولة احتواء الصين مع تجنب المواجهة المباشرة، والسعي للتعايش وما تسميه الوثائق "سلامًا لائقًا".

وضمن هذه الخريطة العالمية المعاد ترتيبها يظل الشرق الأوسط ذا أهمية استراتيجية؛ فمن بين المصالح الوطنية الحيوية الخمس التي تحددها "استراتيجية الأمن القومي"، ترتبط ثلاث منها بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه المنطقة. إحدى هذه المصالح صريحة وهي "منع أي قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط وموارده من النفط والغاز والممرات البحرية التي تمر عبرها". أما الاثنتان الأخريان، فهما: "الحفاظ على حرية الملاحة وسلاسل الإمداد الآمنة"، و"ضمان الريادة التكنولوجية الأمريكية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمية"، وهما ترتبطان بشكل متزايد بشركاء الخليج الذين تتوسع أدوارهم بسرعة في أسواق الطاقة واللوجستيات والبنية التحتية الرقمية، إضافةً إلى التعدين والمعادن.

كما تعزز "استراتيجية الدفاع الوطني" هذه الأهمية على المستويين العالمي والإقليمي؛ فعالميًا تشدد على تقاسم الأعباء مع الحلفاء وعلى ضرورة "تعزيز القاعدة الصناعية الأمريكية بقوة". ويبرز الشرق الأوسط في كلا الجانبين؛ فـ"إسرائيل" ودول الخليج وتركيا توسع قدراتها الدفاعية، بينما تسهم مشتريات السلاح الكبيرة والاستثمارات المباشرة، خصوصًا من الخليج، مباشرة في طموح "ترامب" لتعزيز التصنيع الأمريكي والصناعات الاستراتيجية.

كما يظهر الشرق الأوسط حتى في أولوية الوثيقة العليا، الدفاع عن الأراضي الأمريكية؛ فـ"مكافحة الإرهاب الإسلامي"، التي تواصل تبرير الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، تُذكر صراحة كمهمة أساسية. وعندما تتناول الوثيقتان الشرق الأوسط مباشرة، تكون رؤية الإدارة واضحة لا لبس فيها؛ إذ تقوم على أربعة أعمدة:

1-     إيران غير نووية وضعيفة استراتيجيًا.

2-     "إسرائيل" قوية وآمنة.

3-     شراكات استثمارية وطاقوية ورقمية أعمق مع الخليج.

4-     منطقة تجاوزت الحروب المزمنة نحو التكامل جزئيًا عبر توسيع إطار "اتفاقيات أبراهام".

بدوره، يواصل "ترامب" تقديم نفسه عالميًا بوصفه "رئيس السلام"؛ فمن بين الحروب الثمانية التي يدّعي إنهاءها ثلاث منها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حرب غزة وحرب "إسرائيل" وإيران، ونزاع مصر مع إثيوبيا (الذي لم يكن حربًا). ويقع في صلب هذه الصورة الذاتية وعده، الذي لم يتحقق بعد، بإنهاء الصراع "الإسرائيلي"–العربي–الفلسطيني الطويل ووضع حد للمواجهات المتكررة مع إيران.

رغم ذلك، فإن الطريق إلى السلام كما تتصوره الوثيقتان يمزج بوضوح بين الإكراه والتفاوض؛ فالأسلوب المفضل لدى "ترامب" هو التفاوض الصلب؛ استخدام الضغط والعقوبات والضربات العسكرية والتهديد بمزيد من القوة لدفع الخصوم نحو التفاوض. وتشيد "استراتيجية الدفاع الوطني" صراحة بعملية "مطرقة منتصف الليل" التي دمرت البرنامج النووي الإيراني، ولا تترك شكًا في أن القوة ما زالت خيارًا مطروحًا بشدة.

أما "إسرائيل" فيتم تصويرها كنموذج للحليف المثالي؛ فهي مستعدة وقادرة على خوض حروبها بنفسها مع دعم أمريكي حاسم عند الحاجة. كما يُشاد بشركاء الخليج لتحملهم مسؤولية أكبر عن دفاعهم عبر شراء ودمج الأنظمة العسكرية الأمريكية، فيما تُذكر تركيا بإيجابية بوصفها فاعلًا رئيسيًا في تشكيل نظام محتمل لما بعد "الأسد" في سوريا.

في الوقت نفسه، تؤكد الوثيقتان أن التكامل الإقليمي بين شركاء الولايات المتحدة، عبر توسيع "اتفاقيات أبراهام" والتعاون الأمني، لا يحل محل الهيمنة الأمريكية؛ فالولايات المتحدة تحتفظ بحقها وبقدرتها على اتخاذ إجراءات مباشرة وحاسمة للدفاع عن مصالحها في المنطقة. وتظل إيران محور هذا التوجه؛ فإلى جانب الصين وروسيا وكوريا الشمالية، تبقى مدرجةً ضمن أبرز أربعة مخاوف دفاعية وطنية. وترى الوثيقتان أن الضربات الأمريكية على المواقع النووية الإيرانية والعقوبات المستمرة والضربات "الإسرائيلية" المدمرة لحماس و"حزب الله" والهجمات الأمريكية على الحوثيين، قد أضعفت الجمهورية الإسلامية بشكل كبير.

ورغم أن الوثيقتين تعيدان تأكيد خط "ترامب" الأحمر، وهو أن إيران لن يُسمح لها بامتلاك سلاح نووي، فإنهما تعكسان درجة من الثقة بأن طهران اليوم تشكل تهديدًا أقل مما كانت عليه سابقًا. ومن اللافت غياب الدعوات لتغيير النظام أو الإلحاح على التفاوض بشأن اتفاق نووي جديد، رغم أن احتمال تصعيد جديد في الأيام المقبلة يبقى قائمًا بوضوح.

بالمقابل، فإن أحد عناصر استراتيجية الإدارة قد يسبب حرجًا لشركاء المنطقة؛ وهو التزام "ترامب" بهيمنة الطاقة الأمريكية؛ فالولايات المتحدة بالفعل مُصدّر كبير للطاقة، لكن التحركات الأخيرة، خصوصًا في فنزويلا، تؤكد مركزية الطاقة في تصور "ترامب" للقوة الأمريكية، ويُنظر إلى إبقاء أسعار الطاقة العالمية منخفضة باعتباره هدفًا استراتيجيًا لا اقتصاديًا فحسب.

وبالنسبة لعدد من اقتصادات المنطقة، فقد تُرجم ذلك بالفعل إلى ضغوط مالية وتقليص لبعض المشاريع التنموية الطموحة. ورغم قوة الشراكة الاستراتيجية، فقد تكون هذه إحدى المجالات التي قد تتباعد فيها المصالح الأمريكية ومصالح الحلفاء بشكل أوضح في السنوات القادمة.

بصورة عامة، تؤكد استراتيجيتا "الأمن القومي" و"الدفاع الوطني" التوافق القوي للإدارة مع شركاء الولايات المتحدة التقليديين في الشرق الأوسط، خصوصًا عند مقارنته بعلاقات واشنطن المتوترة بشكل متزايد مع حلفائها الأوروبيين، والتي كادت تنزلق إلى صدام حول غرينلاند قبل أسبوعين.

ومع ذلك، تجدر العودة إلى التحفظ الذي ذُكر في البداية؛ فالوثيقتان توفران هيكلًا ووضوحًا، لكنها لا تقيدان الرئيس؛ فسياسة "ترامب" الخارجية ستظل شخصية لحد كبير وقائمة على الحدس والارتجال، وسيواصل الخروج عن النص وإعادة تشكيل الأحداث أثناء حدوثها. وبالتالي، فإن الاستراتيجيات المكتوبة تخبرنا إلى أين تميل الإدارة، لكنها لا تخبرنا بالضرورة كيف أو متى ستأتي المفاجأة التالية.